الدعوة السعودية لتشكيل تحالف دولي ضد "حزب الله" تواجه عقبات

دعا مسؤول سياسي سعودي إلى إنشاء تحالف دولي لمواجهة "حزب الله" اللبناني، غير أن اقتراحه هذا لم يلقَ كثيراً من الدعم، لا سيما في أوروبا.

al-monitor .

أكت 26, 2017

يبدو أن السعودية تحاول نقل المواجهة مع "حزب الله" إلى مستوى جديد تماماً عبر الدعوة إلى تشكيل تحالف دولي ضد التنظيم اللبناني.

فقد كتب وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج، ثامر السبهان، في تغريدة في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر: "الحل هو بتحالف دولي صارم لمواجهته [حزب الله] ومَن يعمل معه لتحقيق الأمن والسلام الإقليمي".

وقد سارع أمين عام "حزب الله"، حسن نصرالله، إلى الرد على هذا الكلام، بعد ساعات فقط من نشر التغريدة، وذلك في خطاب له لمناسبة تشييع القيادي في "حزب الله"، علي العاشق، والعضو في الحزب محمد ناصر الدين، اللذين لقيا مصرعهما مؤخراً في الصدامات مع مقاتلي "الدولة الإسلامية" في سوريا.

قال نصرالله في خطابه: "يتحقق الأمن والسلام الإقليمي عندما تتوقف السعودية عن دعم المجموعات الوهابية"، مضيفاً: "السعودية هي مَن يمنع الأمن والسلام في كل من اليمن والبحرين والعراق وصولاً إلى باكستان".

بعد أيام من الدعوة التي وجّهها وزير الدولة السعودي لإنشاء تحالف دولي ضد "حزب الله"، اتخذ المسؤولون الأميركيون موقفاً مماثلاً.

فقد انتقد المنسّق الأميركي لشؤون مكافحة الإرهاب، ناثان سايلز، في مؤتمر صحافي في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر، الاتحاد الأوروبي الذي يميّز بين "الجناح السياسي" لـ"حزب الله" و"جناحه العسكري". ووصفه بأنه تمييز خاطئ قائلاً بأن الموقف الأوروبي يعطّل جهود الحكومات الأخرى ضد "حزب الله"، ومشدّداً في الوقت نفسه على أن "الولايات المتحدة سوف تحتاج إلى حلفاء في هذه المعركة".

أعلن سايلز أيضاً عن تخصيص مكافأة قدرها سبعة ملايين دولار أميركي لمَن يدلي بمعلومات تقود إلى إلقاء القبض على طلال حمية، الذي تقول واشنطن إنه يتولى قيادة "الفرع الإرهابي الدولي" لـ"حزب الله". كما أنه أعلن عن رصد مكافأة قدرها خمسة ملايين دولار لمَن يدلي بمعلومات تساعد في إلقاء القبض على فؤاد شكر، وهو قيادي آخر في "حزب الله".

حمية هو، بحسب التقارير، مسؤول العمليات الخارجية لدى "حزب الله"، ويُقال إنه تولّى تنفيذ مهام داخلية وخارجية سرّية لصالح التنظيم اللبناني. أما شكر فيوصَف بأنه من كبار عملاء "حزب الله"، وتتهمه واشنطن بالاضطلاع بدور أساسي في الهجمات على مقر قوات المارينز في بيروت في العام 1983، والتي أسفرت عن مصرع 241 جندياً أميركياً.

غير أن إميل نخلة، الذي تولّى سابقاً منصب مدير برنامج التحليل الاستراتيجي للإسلام السياسي في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أيه)، يشير إلى أنه ليس من مصلحة واشنطن الانضمام إلى الرياض لشنّ مثل هذه الحملة التصعيدية ضد "حزب الله".

وحذّر نخلة، في مقابلة مع "المونيتور" عن طريق البريد الإلكتروني: "لا يعكس التصعيد السعودي استراتيجية متماسكة في المدى الطويل، لا تجاه لبنان ولا تجاه إيران"، مضيفاً: "[لذلك] يجب أن تحاذر الولايات المتحدة من التورّط في مغامرة سعودية أخرى في المنطقة شبيهة بالحرب الدموية في اليمن".

لكن حتى لو كانت الخطط التي وضعتها السعودية للتعاطي مع "حزب الله" تحظى بالدعم الأميركي، يواجه تشكيل جبهة دولية ضد التنظيم اللبناني العديد من العوائق والتحدّيات. ومن هذه العوائق أن الخطر الواضح والداهم للبلدان الأوروبية، مثلاً، ليس مصدره "حزب الله" بل تنظيمات على غرار "الدولة الإسلامية" و"جبهة النصرة"، والتي تستمد أيديولوجيتها من الوهّابية، أي العقيدة الإسلامية المطبّقة في السعودية.

لقد وقعت بلدان، على غرار فرنسا وبريطانيا وألمانيا، ضحية الإرهاب على أيدي هذه التنظيمات، حتى إن مسؤولين أوروبيين ذهبوا إلى حد اتهام السعودية في العلن بتمويل التطرّف عبر نشر الوهّابية.

ففي كانون الأول/ديسمبر 2015، قال نائب المستشارة الألمانية زيغمار غابرييل: "تموّل السعودية المساجد الوهّابية في مختلف أنحاء العالم"، و"عدد كبير من الإسلاميين الذين يهدّدون السلامة العامة يتحدّرون من هذه المجتمعات في ألمانيا".

مؤخراً، دقّت مراكز أبحاث مرموقة في بلدان أوروبية، ناقوس الخطر أيضاً محذّرةً من الخطر الذي تمثّله الوهّابية.

ففي تقرير صادر في تموز/يوليو الماضي، اتهمت "جمعية هنري جاكسون"، وهي عبارة عن مركز أبحاث بريطاني للسياسة الخارجية، السعودية بأنها المموّل الأبرز للتطرف في بريطانيا، وزعمت أن المملكة قامت بتمويل مؤسسات ودعاة أدّوا دوراً في دفع عدد كبير من البريطانيين نحو التشدّد والالتحاق بصفوف التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق.

قال تشارلز شوبريدج، وهو محلل بريطاني للشؤون الأمنية وضابط سابق في الاستخبارات البريطانية في مجال مكافحة الإرهاب، لموقع "المونيتور": "يدرك عدد كبير من الأشخاص في أوروبا أن كل الهجمات الإرهابية تقريباً التي ضربت القارة مؤخراً ليس مصدرها حزب الله أو تنظيمات شيعية أخرى، بل متطرّفون سنّة يحصلون في معظمهم على التمويل من السعودية ويستمدّون الإلهام منها، على غرار تنظيمَي الدولة الإسلامية والقاعدة".

أضاف: "في معظم الحالات، لا يبدي المسؤولون عن السياسة الخارجية في أوروبا تقبّلاً لهذا الخط الموالي لإسرائيل والسعودية والمناهض لإيران، بقدر التقبّل الذي يظهره نظراؤهم الأميركيون".

من العوامل الأخرى التي تقف عائقاً أمام تشكيل تحالف دولي مناهض لـ"حزب الله" وجود قوات لحفظ السلام تابعة للأم المتحدة في جنوب لبنان تحت اسم "اليونيفيل".

تساهم بلدان أوروبية، على غرار فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، بفرق كبيرة من الجنود في اليونيفيل، حيث يبلغ عدد الجنود الإيطاليين 1070 عنصراً. أما أندونيسيا، وهي البلد المسلم الأكبر مساحة في العالم، فتساهم بـ1295 جندياً، ما يجعلها تحتل المرتبة الأولى لناحية عدد الجنود في قوات اليونيفيل. وهكذا فإن امتلاك هذه البلدان حضوراً في البيئة الموالية لـ"حزب الله" في جنوب لبنان، يجعل من المستبعد موافقتها على الانخراط في أي مخططات لتشكيل جبهة متعددة الجنسيات ضد الحزب.

قال الكاتب المقيم في بيروت، نيكولاس بلانفورد، الذي وضع كتاباً عن "حزب الله" بعنوان "المارد الشيعي يخرج من القمقم... 30 عاماً من الصراع بين حزب الله وإسرائيل"، في مقابلة مع موقع "المونيتور": "تُشكّل حماية الجنود مسألة أساسية بالنسبة إلى البلدان المساهِمة في قوات اليونيفيل. ثمة احتمالٌ بحدوث رد فعل انتقامي ضد هؤلاء الجنود في حال انضمت بلدانهم إلى تحالف دولي مناهض لحزب الله".

في غضون ذلك، لا يزال الوضع الداخلي في لبنان يبدو تحت السيطرة على الرغم من التصعيد السعودي-الأميركي ضد حزب الله. لقد أصدرت الكتلة النيابية التابعة لـ"تيار المستقبل" اللبناني، وهو حليف مقرّب للسعودية، بياناً في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر استنكرت فيه رد نصرالله على الرياض.

لكن ما عدا هذا البيان، ليست هناك مؤشرات عن احتدام التشنجات بين حلفاء السعودية في لبنان و"حزب الله"، أقلّه في الوقت الراهن. فـ"حزب الله" لم يبادر إلى الرد على بيان "تيار المستقبل"، في حين أن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، الذي هو أيضاً رئيس "تيار المستقبل"، امتنع عن الإدلاء بأي تصريحات تصعيدية ضد الحزب.

لا يزال الفريقان أيضاً ممثلَين في حكومة الوحدة الوطنية التي يرأسها الحريري، ويبدو أن الأولوية الآن هي لاستمرار هذه الحكومة في العمل وأداء مهامها، لا سيما فيما تستعد لتنظيم الانتخابات النيابية المقبلة المقرر إجراؤها في أيار/مايو 2018 في لبنان.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض لبنان

al-monitor
لبنان يطلب المساعدة التقنية من صندوق النقد الدولي في الأزمة الاقتصادية
Sarah Abdallah | المصرفية والتمويل | فبر 13, 2020
al-monitor
لبنانيّون يروون قصصهم: "لهذه الأسباب أصبحت خيم الثورة بيوتنا ولا نفارقها"
Hanan Hamdan | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | ينا 30, 2020
al-monitor
كيف يقرأ القضاء اللبناني كارلوس غصن؟
Sarah Abdallah | المحاكم والقانون | ينا 12, 2020
al-monitor
إيقاف حسابات صحافيّين وناشطين مؤيّدين للثورة اللبنانيّة على "تويتر"
Hanan Hamdan | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | ينا 5, 2020