المخططات التركية المبتكرة لدحض مصداقية قضية ضراب في الولايات المتحدة

فشِل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وفريقه في إقناع الولايات المتحدة بالموافقة على "حل ديبلوماسي" في قضية الجرائم المالية التي يُعتقَد أن رضا ضراب ومصرفيين كباراً ووزراء سابقين في تركيا متورّطون فيها. يزعم أردوغان الآن أن القضية هي مؤامرة ضد بلاده تُحاك بين الولايات المتحدة وحركة غولن.

al-monitor .

نوف 28, 2017

فيما كان العالم ينتظر لمعرفة إذا كانت محاكمة الولايات المتحدة لتاجر الذهب الإيراني-التركي رضا ضراب ستنطلق اليوم [27 تشرين الثاني/نوفمبر] في نيويورك بعد تأجيلات عدة، ازدادت التكهنات بأنه ربما يتعاون ضراب مع المدّعين العامين. مما لا شك فيه أن هذا الخبر أثار الهلع لدى كبار المسؤولين الأتراك الذين يخشون أن تُوجَّه إليهم تهمة القبول برشاوى لتسهيل ما يُزعَم أنها عملية تبييض أموال.

ضراب متّهم بتبييض مئات ملايين الدولارات عن طريق المؤسسات المالية الأميركية في مخطط الهدف منه مساعدة إيران على التهرّب من العقوبات الاقتصادية الأميركية بين العامَين 2010 و2015. أُلقيَ القبض عليه في آذار/مارس 2016 أثناء وجوده في فلوريدا. وقد تقدّم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بطلب شخصي إلى الحكومة الأميركية للإفراج عن ضراب، ما يطرح تساؤلات عن تورّط محتمل لأردوغان في القضية.

مع بدء عملية اختيار هيئة المحلّفين اليوم [27 تشرين الثاني/نوفمبر]، أعلن القاضي أن ضراب لن يمثل أمام المحكمة هذا الأسبوع، وأن المدّعى عليه الوحيد هو أحد المسؤولين المصرفيين الأتراك.

لقد وجدت الحكومة التركية، بدعمٍ من جهاز إعلامي واسع النطاق، طريقة لافتة جداً للتلاعب بالرأي العام في هذه القضية. الشغل الشاغل بالنسبة إلى المسؤولين الأتراك هو أن يُبقوا أنفسهم بمنأى عن أي اعترافات قد يتم البوح بها. بالطبع، حماية أردوغان وعائلته هي مصدر الهم الأساسي.

تُوجِّه الحكومة التركية أصابع اللوم إلى حركة غولن التي تعتبرها تركيا تنظيماً إرهابياً تُحمِّله مسؤولية الوقوف وراء محاولة الانقلاب في البلاد في تموز/يوليو 2016. تُصوِّر أنقرة محاكمة ضراب في الولايات المتحدة بأنها مؤامرة اقتصادية وسياسية تحوكها الولايات المتحدة وحركة غولن ضدها. وعلى ضوء التأثير الذي أحدثه الانقلاب الفاشل في 15 تموز/يوليو 2016 والذي أدّى إلى تحلُّق الأتراك حول حكومتهم، حوّلت هذه الأخيرة الانتقادات بعيداً عنها لتصبّ في اتجاه حركة غولن.

أظهر الأتراك الذين فقدوا ثقتهم بالمنظومة القضائية التركية، اهتماماً شديداً بقضية ضراب، وتعاطفاً مع بريت بارارا الذي كان المدّعي العام الأميركي للمنطقة الجنوبية في نيويورك من 2009 إلى 2017. في آذار/مارس 2016، بدأت الحكومة التركية بإرساء ركائز الهجوم الذي تشنّه الآن على أعضاء المنظومة القضائية الأميركية. على سبيل المثال، بعيد توقيف ضراب، ظهرت على الإنترنت صورة لبارارا جرى تعديلها رقمياً للإيحاء بأنه على صلة بحركة غولن.

وهذا الشهر، أعلن مكتب النائب العام في اسطنبول أنه يُجري تحقيقات عن بارارا وجون كيم الذي خلفه في منصب المدعي العام الأميركي بالوكالة، زاعِماً أن الوثائق التي تُستخدَم كأدلّة ضد ضراب مجهولة المصدر وتشكّل انتهاكاً للقانون الدولي.

بعدما عقدَ ضراب على الأرجح اتفاقاً يُقرّ بموجبه بالذنب مقابل استرحامه، وبعدما أصبح محمد هاكان أتيلا، أحد نواب الرئيس في مصرف "تركيا هلكبانك" (Turkiye Halkbank)، المدّعى عليه الوحيد في القضية، عيون الأتراك شاخصة نحو المحاكمة. أُلقيَ القبض على أتيلا في آذار/مارس الماضي، ويتولّى مصرف "هلكبانك" تسديد أتعاب وكلائه القانونيين. يقول زينو إركان، وهو صحافي مستقل يتابع وقائع القضية، إن القاضي نبّه أتيلا، في جلسة ما قبل المحاكمة، إلى أن مصالحه قد تتعارض مع مصالح المصرف، وسأله إذا كان مدرِكاً للتداعيات المحتملة التي يمكن أن تترتّب عن احتفاطه بفريق دفاع يتقاضى أتعابه من مصرف "هلكبانك". فكان جواب أتيلا أنه لا مشكلة لديه في ذلك.

لكن، وعلى الرغم من أن أتيلا يريد، وهذا مفهوم، محاكمة سريعة وعادلة، يلجأ محامو الدفاع إلى التأجيل: ثمة إجماعٌ في أروقة أنقرة على أنه كلما استغرقت المحاكمة وقتاً أطول، كان هذا أفضل لأردوغان وأزلامه.

الاحتمال الآخر هو أنه ربما يسعى أتيلا إلى عقد اتفاق مع الحكومة الأميركية يُقرّ بموجبه بالذنب مقابل استرحامه.

تلجأ الحكومة التركية إلى أساليب معقّدة للتشويش. وفي هذا الإطار، يجب التوقف في شكل خاص عند ثلاث وسائل: التلاعب بالأدلّة، والتصويب على الصفات الشخصية للصحافيين أو المدّعين العامين أو على دوافعهم، وتصوير المحاكمة بأنها انقلاب على الاقتصاد التركي بصورة مباشرة، وعلى أردوغان بصورة غير مباشرة.

قد يكون تشويه الأدلّة الوسيلة الأكثر فاعلية للتلاعب بالرأي العام. تنقل التقارير الإخبارية التركية صورة ملتبسة إلى حد ما عن عملية المحاكمة كما أنها تُشتِّت الأنظار عن القضية الأساس. على سبيل المثال، منذ انعقاد جلسة ما قبل المحاكمة في 21 تشرين الثاني/نوفمبر، ركّزت وسائل الإعلام على تقرير تزعم فيه أن أتيلا أقسم اليمين من دون أن يرفع يده اليمنى. وهذا يزيد الوضع سوءاً في أنقرة حيث، وبغض النظر عن الانتماءات السياسية، قلّةٌ فقط تستطيع أن تتفهّم أسباب المحاكمة. فالأكثرية غير قادرة على الاستيعاب لماذا تتدخل أميركا في هذه القضية، وكيف تأذّت المصالح الأميركية. وقد سأل العديد من الأتراك موقع "المونيتور": "لماذا تهتم الولايات المتحدة بالفساد في تركيا؟"

قال ابراهيم كالين، المتحدث باسم مكتب أردوغان، للصحافة الفرنسية إن تركيا اضطرت إلى الانخراط في التبادل التجاري مع إيران بسبب احتياجاتها في مجال الطاقة، ووصف القضية بأنها "محاكمة سياسية" الهدف منها تشويه سمعة أردوغان. أضاف كالين أنه ليست هناك روابط بين أردوغان وضراب، واعتبر أن النقطة الأهم هي أن الولايات المتحدة تحاول تكرار قضيةٍ افتعلها الغولنيون، كما يُزعَم، في تركيا في العام 2014.

فقد سبق أن أوقِف ضراب في تركيا خلال "التحقيق في الفساد بين 17-و25 كانون الأول/ديسمبر" في العام 2014. حملت تلك القضية مؤشرات مهمة عن التهرّب التركي من العقوبات الأميركية على إيران. لكن سرعان ما أُخلي سبيل ضراب، وعومِل معاملة المشاهير لدعمه الاقتصاد التركي – إلى حين إلقاء القبض عليه في فلوريدا في آذار/مارس 2016.

يسأل كاتب العمود عبد الرحمن ديليباك، في مقال نُشِر في 25 تشرين الثاني/نوفمبر في صحيفة "يني أكيت" الموالية للحكومة التركية: "هل يحاول [الغولنيون]، عبر اللجوء إلى المنظومة القضائية الأميركية، تحقيق ما فشلوا في إنجازه في المحاكم التركية؟"

أما في ما يتعلق بوسيلة التشويش الثانية – التصويب شخصياً على الصحافيين وعلى المدّعين العامين الأميركيين على غرار كيم وبارارا – فقد ذهبت بعيداً في ممارساتها. وفي الداخل التركي أيضاً، قال سيم كوجوك المعروف بدعمه الشديد لأردوغان، عبر التلفزيون: "إذا كنت وطنياً، تُدرك أن هذه المحاكمة تستهدف أردوغان والأمّة التركية". في غضون ذلك، انتشرت أخبار عن إقدام السلطات في 17 تشرين الثاني/نوفمبر على احتجاز زوجات مسؤولي الشرطة الذين أجروا التحقيق في العام 2014.

انتهى التحقيق في قضايا الفساد في تركيا في العام 2014 بطريقة مفاجئة، مع تحميل حركة غولن مسؤولية اختلاق أدلّة مزوّرة. لماذا يتخوّف المسؤولون الأتراك إذاً من احتمال ثبوت أن ضراب مذنب بالتهم المنسوبة إليه؟ بما أن التهم الموجَّهة ضد ضراب أُسقِطت في تركيا، ألا يجب إسقاطها أيضاً في الولايات المتحدة؟ إذا كانت كل التسجيلات والمستندات التي وردت في التحقيق التركي مزوّرة، فلماذا تساور الحكومة التركية مخاوف بشأن مصادرها؟

في ما يختص بالوسيلة الثالثة، تسعى تركيا إلى تأجيج المشاعر الوطنية عبر تصوير المحاكمة بأنها هجوم اقتصادي. لقد تراجعت قيمة الليرة التركية في مقابل الدولار في الأسواق الدولية مع هروب المستثمرين الأجانب من تركيا. يُتيح ذلك فرصة لتحميل الغرب مسؤولية كل ما يجري بدلاً من التساؤل عن تأثيرات المحاباة أو الفساد أو المحسوبيات. لقد ولّدت قضية ضراب مخاوف من احتمال فرض عقوبات على النظام المصرفي التركي الذي يُفيد من تدفقات الأموال الخارجية بسبب معدلات الفوائد المرتفعة التي تُمنَح للمستثمرين. تشير وسائل الإعلام الداعِمة لـ"حزب العدالة والتنمية" الحاكم إلى أن ما يجري هو "انقلاب اقتصادي تقوده الولايات المتحدة" ضد تركيا من خلال قضية ضراب.

قال مسؤول بيروقراطي كبير لموقع "المونيتور" طالباً عدم الكشف عن هويته، إن "القضية تسببت بتوسيع التصدّع بين الدائرة الداخلية لأردوغان وكبار المسؤولين في حزب العدالة والتنمية. نخشى أنه جرى الالتفاف على جهاز الدولة من أجل التوصل إلى ’حل ديبلوماسي بصورة مباشرة مع الولايات المتحدة‘ من دون إشراك الديبلوماسيين في هذه المشكلة. بعدما بتنا نعلم بحكم اليقين أن عودة ضراب غير ممكنة، يُتوقَّع أن يحتشد جهاز الدولة بكامله خلف أردوغان. إنما هناك شكوك جدّية: لماذا ضراب مهمٌ إلى هذه الدرجة؟ كثرٌ يجهلون الجواب عن هذا السؤال".

تابع المسؤول أن قضية ضراب تلحق الضرر بالعلاقات التركية مع الولايات المتحدة وسواها من البلدان، قائلاً: "علاقاتنا مع السعودية في مأزق أيضاً". إذا تبيّن أن تبييض الأموال في تركيا صبَّ في مصلحة إيران و"حزب الله"، فسوف يُثير ذلك غضب السعودية وإسرائيل.

في الواقع، لعل هذا التشنّج في العلاقة هو الذي دفع بأردوغان إلى أن يوجّه، لأول مرة منذ وصوله إلى السلطة قبل 15 عاماً، انتقادات مباشرة إلى السعودية. تدفع تركيا ثمناً باهظاً بسبب قضية ضراب، ويستحق الأتراك أن يعرفوا الأسباب.

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض تركية

al-monitor
زيادة حادّة في عدد الزائرين الإيرانيّين تنعش قطاع السياحة التركي
Paul Benjamin Osterlund |  السياحة | يون 17, 2018
al-monitor
ازدهار الصادرات التركية إلى سورية في ظل الحرب
فهيم تشتكين | اقتصاد و تجارة | يون 7, 2018
al-monitor
التطهير العسكري التركي ينسف صفوف الضباط والطيارين
متين گورجان | | ماي 29, 2018
al-monitor
صناعة الدفاع في تركيا عند منعطف حرج
متين گورجان | اقتصاد و تجارة | ماي 25, 2018