نبض الخليج

أبو ظبي مسرورة بتعيين بومبيو

p
بقلم
بإختصار
يلمس المسؤولون الإماراتيون تحوّلاً لمصلحتهم في وزارة الخارجيّة الأميركيّة، إنّما من المستبعد أن تتحقّق كلّ تطلّعاتهم في ظلّ مايك بومبيو.

جاء قرار الرّئيس الأميركي دونالد ترامب بإقالة وزير الخارجيّة ريكس تيلرسون، ليحلّ محلّه مدير وكالة المخابرات المركزيّة (سي آي يه) مايك بومبيو، في وقتٍ تواجه فيه واشنطن تحدّيات كبرى في السياسة الخارجيّة. سوف يكون على بومبيو، بصفته الدّبلوماسي الأوّل، معالجة الكثير من المعضلات الحسّاسة في الشرق الأوسط، منها الأزمة القطرية وعلاقات واشنطن الصعبة مع كلّ من تركيا وإيران. هذا ويبثّ تعيين بومبيو تفاؤلاً في الإمارات العربيّة المتّحدة لجهة أنّ المواقف الأميركيّة من الدوحة، وأنقرة وطهران ستسلك اتّجاهاً مغايراً يكون أكثر مؤاتاةً لأبو ظبي.

يُظهِر سجلّ بومبيو أنّه مناهِض قوي للإسلاميّين المتشدّدين، الأمر الذي يروق للإمارات العربيّة المتّحدة. عندما كان بومبيو مشترعاً في الكونغرس الأميركي، كان أحد رعاة "قانون تصنيف الإخوان المسلمين في خانة التنظيمات الإرهابية" لعام 2015، الذي أدرج التنظيم على قائمة المجموعات الإرهابيّة، وربط ثلاث مجموعات إسلاميّة تتّخذ من الولايات المتّحدة مقرّاً لها – مجلس العلاقات الأميركية-الإسلامية، والجمعيّة الإسلاميّة لأميركا الشماليّة، وصندوق أميركا الشماليّة الإسلامي – بجماعة "الإخوان المسلمين" وحركة "حماس". (لم يخرج مشروع القانون من إطار اللجنة ولم يُطرَح على التصويت). وفي العام 2014، صنّفت الإمارات مجلس العلاقات الأميركيّة-الإسلاميّة والجمعيّة الإسلاميّة الأميركيّة، في خانة التنظيمات الإرهابيّة، مشدِّدةً على السرديّة القائلة بأنّ بعض التنظيمات الإسلاميّة في أميركا لديها روابط إرهابيّة. إذاً نظراً إلى معارضة بومبيو الشديدة لجماعة "الإخوان المسلمين" وحركة "حماس" المتواجدتَين على الأراضي الأميركيّة، من الممكن أن يكون أقلّ ميلاً بكثير من تيلرسون إلى ممارسة ضغوط على الكتلة التي تقودها السعودية/الإمارات بهدف التخفيف من حدّة الخطاب عن الرعاية القطريّة المزعومة للإرهاب، وتخفيف الحصار أو رفعه.

هذا وتقود الإمارات خطاباً مناهضاً لتركيا في واشنطن. لقد انتقد السفير الإماراتي لدى واشنطن، بكلام لاذع، الدور الذي تؤدّيه أنقرة في الشّرق الأوسط، مشدِّداً على أنّ معظم الأميركيّين لا يدركون جيّداً أنّ تركيا تغيّرت كثيراً في الأعوام الأخيرة، ولا يتنبّهون "للتهديد الطويل المدى الذي تشكّله للغالبيّة بيننا". في الواقع، احتدمت التشنّجات بين تركيا والإمارات، لا سيّما على ضوء التطوّرات السياسيّة الداخليّة في مصر منذ العام 2013، والمؤامرة الانقلابيّة الفاشلة التي شهدتها تركيا في 15 تموز/يوليو 2016 (والتي يوجّه في إطارها مسؤولون أتراك والكثير من المراقبين اتّهامات علنيّة إلى الإماراتيّين بالضلوع في التخطيط لها وتمويلها بثلاثة مليارات دولار)، والحرب الأهلية السورية المتعدّدة الأطراف. يسري اعتقادٌ في تركيا بأنّ أبو ظبي تدعم حزب العمال الكردستاني. وتُعارِض الإمارات عمليّة "غصن الزيتون" التي تشنّها تركيا، وقد أدانت أبو ظبي قيام تركيا بإسقاط مقاتلة روسيّة كانت تحلّق في الأجواء شمال سوريا (وحلّقت لوقت قصير في الأجواء التركيّة جنوب البلاد) في تشرين الثاني/نوفمبر 2015.

لم تنسَ أنقرة، حيث ينظر المسؤولون الأتراك بتوجُّس إلى التبديل على رأس وزارة الخارجيّة الأميركيّة، أنّ بومبيو نعت تركيا وإيران بـ"النظامَين الديكتاتوريّين الإسلاميّين الشموليّين" في اليوم التالي للمحاولة الانقلابيّة الفاشلة في العام 2016، ردّاً على تغريدة وزير الخارجيّة الإيراني التي أعرب فيها عن تضامنه مع الحكومة المنتخَبة في تركيا. ممّا لا شك فيه أنّ زيارة تيلرسون الأخيرة إلى أنقرة اعتُبِرت ناجحة لناحية التخفيف من حدّة التشنّجات في التحالف المتزعزع بين أميركا وزميلتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وفي هذا الإطار، من المؤكّد أنّ الإمارات سترحّب تماماً بتعيين وزير خارجيّة جديد للولايات المتحدة أقلّ سعياً إلى تعزيز التفاهم بين واشنطن وأنقرة حول التحركات التركية في شمال سوريا، حيث تزعم الإمارات أنّ السياسة الخارجيّة "النيو عثمانية" التي تنتهجها أنقرة تشكّل تهديداً للمصالح العربيّة.

يشتهر بومبيو أيضاً، المعروف بصقوريّته الشديدة، بمواقفه المتشدّدة المناهضة لإيران. وفقاً للتفسير الذي أعطاه ترامب لقراره استبدال بومبيو بتيلرسون، كانت الاختلافات في الرأي حول خطّة العمل المشتركة الشاملة بين الرئيس الأميركي ووزير الخارجية الـ69، من العوامل المهمّة التي دفعته إلى اتّخاذ قراره. مع أنّه لم يتّضح بعد ما هي المقاربة التي سيعتمدها ترامب وبومبيو في التعاطي مع المسائل المتعلقة بمستقبل خطّة العمل المشتركة الشّاملة، وكيف سيتعاملان مع مسألة سياسة إيران الخارجيّة في العالم العربي في حال انهيار خطة العمل المشتركة الشاملة، ما هو واضح بدون شك هو أنّ نظرة بومبيو إلى الجمهورية الإسلامية ستؤمّن تطمينات أكبر للقيادة الإماراتيّة بشأن التزام واشنطن بالعمل من أجل الحؤول دون توسيع إيران لنفوذها وترسيخه في المنطقة.

يَلقى بومبيو، الذي طالب بتغيير النظام في إيران، استحسان القيادة في أبو ظبي، التي حضّت واشنطن سابقاً على النظر في شنّ عملية عسكرية مباشرة ضد المنشآت النوويّة الإيرانيّة، وأبدت امتعاضها من الانفتاح الدبلوماسي الذي أظهرته إدارة باراك أوباما حيال طهران. لقد توصّلت صحيفة "جوان" الإيرانية المقرَّبة من الحرس الثوري الإسلامي، إلى خلاصة مفادها أنّ وجود بومبيو في منصب وزير الخارجيّة الأميركي سوف يحمل معه نهاية لخطة العمل المشتركة الشاملة.

لكن على الرغم من التفاؤل الذي أثارته إقالة تيلرسون في الأوساط الإماراتيّة، ليس واضحاً تماماً ما هو حجم تأثير بومبيو فعلياً على السياسة الخارجيّة الأميركيّة في الشرق الأوسط. من السّابق لأوانه القول إنّ وجود بومبيو على رأس الجناح الدبلوماسي للحكومة الأميركية سيؤدّي إلى تبنّي واشنطن لأجندة مناوئة لقطر. فغالب الظن أنّ وزير الدفاع جيمس ماتيس، الذي انضمّ إلى تيلرسون في الجهود الآيلة إلى توطيد العلاقات بين واشنطن والدوحة في خلال الأشهر التسعة الماضية، سيستمرّ في الوقوف إلى جانب قطر. في الوقت عينه، وفق ما كشفته أحداث الأشهر التسعة الماضية، إنّ التحالف الأميركي-القطري قائم على المؤسّسات، وليس على الأفراد. لقد استثمر صندوق الثروة السياديّة القطري – جهاز قطر للاستثمار – مبالغ طائلة في الاقتصاد الأميركي، وتملك مؤسّسات أكاديميّة أميركيّة كبرى فروعاً في قطر، وترتدي الإمارة أهميّة بالنسبّة إلى الصناعة الدفاعيّة الأميركيّة، كما أنّ المنشأة العسكريّة الأميركيّة الأكبر في الشّرق الأوسط تتّخذ من قاعدة العديد الجوية في قطر مقرّاً لها منذ العام 2003.

لكن في ما يتعلّق بتركيا وإيران – حيث تشهد العلاقات الأميركيّة مع البلدَين تشنّجات متزايدة منذ وصول ترامب إلى سدّة الرئاسة قبل 14 شهراً – ما من أسباب فعليّة للاعتقاد بأنّ بومبيو سيساهم في التخفيف من حدّة هذه الاحتكاكات. من شأن الإمارات العربيّة المتحدة، المصمّمة على رؤية تجاوب أكبر من جانب الولايات المتحدة مع نظرة الكتلة التي تقودها السعودية/الإمارات إلى المنطقة، أن ترحّب بحدّة خطاب بومبيو الجديد. إنما يبرز احتمال كبير بأن يخيب ظنّ الإماراتيّين في حال محضوا ثقة أكبر من اللازم لقدرة بومبيو على إحداث تحوّل جوهري لمصلحة أبو ظبي في السياسة الخارجيّة الأميركيّة المشوِّشة في الشرق الأوسط.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept