نبض فلسطين

المصادقة على قانون الجرائم الإلكترونيّة يثير غضب مؤسّسات المجتمع المدنيّ في الأراضي الفلسطينيّة

p
بقلم
بإختصار
غضب في أوساط مؤسّسات المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ بعد إقرار الحكومة في شكل مفاجئ مسوّدة قانون الجرائم الإلكترونيّة، من دون الردّ عليها في الملاحظات التي قدّمتها تلك المؤسّسات على مسوّدة القانون وطالبت باعتمادها قبل المصادقة عليه.

مدينة غزّة، قطاع غزّة: شدّد رئيس اللجنة القانونيّة في المجلس النائب محمّد الغول في بيان صادر عنه في 19 نيسان/أبريل الجاري على أنّ المجلس التشريعيّ هو صاحب الصلاحية الحصريّة في إصدار التشريعات ورفض المجلس التشريعيّ في غزّة مشروع قانون الجرائم الإلكترونيّة واعتبره باطلاً وغير قانونيّ.

وكان إعلان الحكومة الفلسطينيّة في ختام جلستها الأسبوعيّة في 17 نيسان/أبريل الجاري، اعتماد مشروع قانون الجرائم الإلكترونيّة رقم 16 لعام 2017، في الأراضي الفلسطينيّة بعد التعديلات التي أجريت عليه وإحالته إلى الرئيس محمود عبّاس للمصادقة عليه ونشره في الجريدة الرسميّة، قد أثار حالة من الغضب والرفض بين مؤسّسات المجتمع المدنيّ الفلسطينيّة، وفي مقدّمتها نقابتا الصحافيّين والمحامين والمؤسّسات الحقوقيّة.

تمثّلت حالة الرفض تلك في عدم إطلاع الحكومة تلك المؤسّسات على مسوّدة القانون والتعديلات التي أجريت عليه قبل اعتماده بعدما قدّمت ملاحظات عدّة حول بنوده خلال 3 جلسات عقدتها في مدينة رام الله في الفترة الممتدة بين 17 تموز/يوليو 2017 و 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2017، بحضور ممثلين عن وزارة العدل والحكومة ومكتب المفوض السامي لحقوق الانسان بدعوة من منظمة التحرير الفلسطينية ومكتب وزير العدل، وطالبت بحذف بعض الموادّ وتعديل أخرى قبل اعتماده من الرئيس عباس الذي أصبح يصادق على قرارات بالقوانين منذ عام 2007، والتي ترفع إليه من الحكومة أو يقوم بإصدارها شخصياً على شكل مراسيم رئاسية بديلاً عن المجلس التشريعي الذي تعطل بعد الانقسام الفلسطيني الداخلي عام 2007، وتحديداً في الضفة الغربية بعد رفض حركة فتح عقد جلساته وإغلاق أجهزة الأمن لمقر المجلس برام الله، فيما تواصل كتلة حماس البرلمانية عقد تلك الجلسات في غزة حتى اليوم.

وترتكز تلك المؤسّسات في ملاحظاتها المتعدّدة على مشروع ذلك القانون كون العديد من موادّه، وتحديداً الموادّ 3 و9 و11 و15 و20 و24 و 28 و30 و33 و34 و40 و46، على أنّها تشكّل مدخلاً إلى التضييق على حرّيّة الرأي والتعبير والعمل الصحافيّ (أفراداً ومؤسّسات)، ويعاقب القانون بشدة أي شخص يقوم بإنشاء ونشر وتبادل المعلومات التي تعتبرها السلطة الفلسطينية خطرة.

وعلى سبيل المثال فقط، فإنّ المادّة 3 من القانون تنصّ على أنّه "تنشأ وحدة متخصّصة في الجرائم الإلكترونيّة في الأجهزة الشرطيّة وقوى الأمن، وتتمتّع بصفة الضبط القضائيّ، وتتولّى النيابة العامّة الإشراف على مأموري الضبط القضائيّ كلّ في دائرة اختصاصه"، ويمنح ذلك النصّ الأجهزة الأمنيّة كافّة بما فيها العسكريّة التمتّع بصفة الضبط القضائيّ في ما يتعلّق بالجرائم الإلكترونيّة، وهو ما اعتبرته مؤسّسات المجتمع المدنيّ مدخلاً إلى التضييق على الحرّيّات وإعطاء الأحقية لكل الأجهزة الأمنية والعسكرية لإنشاء وحدة متخصصة بالجرائم الإلكترونية وبالتالي كل جهاز أمني أو عسكري يمكن له أن يوجه تهمة تتعلق بالجريمة الإلكترونية لأي مواطن ويعتقله وفقها.

أكّد مشرف وحدات التخطيط وحقوق الانسان والنوع الاجتماعي في وزارة العدل سامر الشرقاوي لـ"المونيتور" أنّ العديد من الملاحظات التي قدّمتها مؤسّسات المجتمع المدنيّ تمّ الأخذ بها أثناء التعديل على مشروع قانون الجرائم الإلكترونيّة رقم 16 لعام 2017، الذي نشر في 9 تمّوز/يوليو 2017، وقبل اعتماده من مجلس الوزراء، مشيراً إلى أنّهم سيقومون بالاجتماع مع مؤسّسات المجتمع المدنيّ خلال الأسبوع المقبل لوضعها في صورة مسوّدة القانون الجديد المعدّلة بعدما يقوم الرئيس بالمصادقة عليه.

من جانبه، قال رئيس نقابة الصحافيّين ناصر أبو بكر لـ"المونيتور": "مجلس الوزراء أقرّ مشروع قانون الجرائم الإلكترونيّة قبل عرضه علينا كمؤسّسات مجتمع مدنيّ للتأكّد من شمل التعديلات التي طالبنا بها خلال جلسات متعدّدة مع الحكومة ضمن النسخة التي سيتمّ إقرارها".

وأضاف أبو بكر: "نحن في انتظار نسخة من مشروع القانون الذي تمّ اعتماده، وبعد دراستها في شكل تفصيليّ ودقيق، سيكون لنا موقف واضح من مشروع القانون بعد التشاور مع مؤسّسات المجتمع المدنيّ التي شاركت في جلسات التعديلات".

وكان أبو بكر حذّر في مؤتمر صحافيّ عقده في 15 آب/أغسطس 2017، من أنّ مشروع القانون في صيغته الأولى التي نشرت في 9 تمّوز/يوليو 2017، يسيء للنظام السياسيّ والحرّيّات في فلسطين، ويمثّل تراجعاً عن المعايير الدوليّة كافّة للحرّيّات الإعلاميّة، فيما نفّذ العديد من الوقفات الاحتجاجيّة من قبل الصحافيّين والحقوقيّين خلال شهري أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر 2017، للمطالبة بحذف بعض بنود القانون.

وأكّد عضو مجلس نقابة المحامين الفلسطينيّين أمجد الشلة لـ"المونيتور" أيضاً أنّهم لم يطّلعوا على مسوّدة مشروع القرار قبل اعتماده في شكل رسميّ من قبل مجلس الوزراء في 17 نيسان/أبريل الجاري، نافياً علمه بما إذا تمّ الأخذ بالملاحظات التي قدّموها (كنقابة المحامين) إلى مجلس الوزراء قبل اعتماده أم لا.

وبيّن أنّ هناك إشكاليّات خطيرة تتضمّنها مسوّدة القانون الذي عرضت عليهم قبل اعتمادها، وفي مقدّمتها توصيف الاتّهام لبعض الجرائم والتي تصل عقوبة بعضها إلى أكثر من 3 سنوات، وهو ما يعني أنّها وصلت إلى درجة الجنايات ولم تعد تصنّف تحت بند الجنح، ومثال على ذلك البند رقم 4 من المادّة رقم 4 في القانون والتي تنصّ على أنّه "إذا ارتكب الفعل المحدّد في الفقرة 3 من هذه المادّة (الدخول العمد ومن دون وجه حقّ إلى شبكة أو موقع إلكترونيّ) على البيانات الحكوميّة، يعاقب بالأشغال الشاقّة الموقّتة مدّة لا تقلّ عن خمس سنوات وغرامة لا تقلّ عن خمسة آلاف دينار أردنيّ (7 آلاف دولار أمريكي) ولا تزيد عن عشرة آلاف دينار أردنيّ (14 ألف دولار أمريكي) أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانوناً"، وكذلك الحال في المادّتين رقم 24 و28 من القانون في خصوص تغليظ العقوبة.

قال المستشار القانونيّ في مؤسّسة الحقّ لحقوق الانسان في الضفّة الغربيّة عصام عابدين لـ"المونيتور": "إنّ العديد من القوانين والتشريعات الاستثنائيّة التي اتّخذتها الحكومة أخيراً باتت في حكم الأسرار لا يتاح للمؤسّسات المجتمعة أو الأهليّة الاطّلاع عليها، وهو ما حدث أخيراً مع تعديلات قانون الجرائم الإلكترونيّة ومن قبل مع قرار القانون المعدّل لقانون محكمة الجنايات الكبرى".

وأضاف عابدين: "نحن أمام سلطة تنفيذيّة تشرّع القانون وتنفّذه في ظلّ غياب المجلس التشريعيّ"، لافتاً إلى أنّه تمّ اعتقال عدد من الصحافيّين في الضفّة الغربيّة واستدعائهم في 3 و5 نيسان/أبريل الجاري على قانون الجرائم الإلكترونيّة، ومنهم الصحافيّ رامي سمارة ونائلة خليل ورولا سرحان وآيات عبد الله.

وبيّن أنّه على الرغم من ثلاث جلسات حوار أجريت بينهم كمؤسّسات مجتمع مدنيّ مع وزارة العدل والحكومة الفلسطينيّة، إلّا أنّها فشلت في إقناع الحكومة بإقرار التعديلات التي طالبوا بها، متمنّياً ألّا يصادق الرئيس عبّاس على القانون وعلى نشره في الجريدة الرسميّة قبل الأخذ بالملاحظات الجوهريّة التي وضعتها منظّمات المجتمع المدنيّ على مسوّدة القانون.

وعلى الرغم من حالة الصخب الإعلاميّ والرفض التي قامت به مؤسّسات المجتمع المدنيّ، إلّا أنّ القانون يبدو في طريقه إلى المصادقة عليه من قبل الرئيس عبّاس ونشره خلال الأيّام القليلة المقبلة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : أمن الإنترنت

كاتب وصحفي فلسطيني يعمل في مهنة الصحافة منذ 9 سنوات، عمل في العديد من الوسائل الإعلامية الفلسطينية والأجنبية. حاصل على درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية بغزة، شارك في إعداد كتاب عن "حصار غزة" لصالح وكالة الأناضول التركية ونشر بعدة لغات.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept