مخاوف في تونس من نسف مسار العدالة الانتقاليّة بعد الثورة

p
بقلم
بإختصار
فجّر تصويت البرلمان التونسيّ على عدم التمديد لعمل هيئة الحقيقة والكرامة لسنة إضافيّة، جدلاً بين أحزاب الحكم والمعارضة وجمعيّات حقوقيّة رأت في قرار البرلمان انقلاباً على مسار العدالة الانتقاليّة التي نصّ عليها دستور ما بعد الثورة، فيما اعتبر حزب نداء تونس المصوّت على القرار أنّ التصويت قانونيّ وأنّ الحزب سيقدّم مشروع قانون جديد للعدالة الانتقاليّة، من دون هيئة الحقيقة والكرامة.

أطلق التحالف التونسيّ للكرامة وردّ الاعتبار، ويضمّ أكثر من 50 جمعيّة ناشطة في مجال حقوق الإنسان لمراقبة مسار العدالة الانتقاليّة بعد الثورة، صيحة فزع خلال مؤتمر صحافيّ انعقد في العاصمة التونسيّة في 5 نيسان/أبريل 2018، محذّرا من تداعيات قرار البرلمان التونسيّ القاضي بإيقاف عمل هيئة الحقيقة والكرامة، وهي هيئة دستوريّة مستقلّة أوكلت إليها مهمّة تنفيذ قانون العدالة الانتقاليّة، في شأن انتهاكات حقوق الإنسان في عهد الرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي إلى حدود كانون الأوّل/ديسمبر 2013.

وكان البرلمان التونسيّ قد قرّر في جلسة متشنّجة في 26 آذار/مارس 2018 التصويت على عدم التمديد لعمل هيئة الحقيقة والكرامة لسنة إضافيّة — تتواصل إلى شهر أيّار/مايو 2019 بعدما كانت الهيئة انطلقت في أشغالها في الشهر ذاته من عام 2014 — وسط جدل حادّ بين الكتل الحزبيّة، لا سيّما كتلتي نداء تونس (55 نائباً) التي صوّتت ضدّ قرار التمديد وحركة النهضة (68 نائباً) التي انسحبت من الجلسة احتجاجاً على عدم قانونيّتها وسط اتّهامات من كتلة النهضة و الجبهة الشعبية والكتلة الديمقراطية إلى رئيس البرلمان محمّد الناصر المحسوب على حزب نداء تونس بالانقلاب على القانون الداخليّ للبرلمان، من خلال الإصرار على عقد جلسة لم يتوافر فيها النصاب القانونيّ في حضور 70 نائباً من جملة 217 ، 68 صوتوا ضد التمديد ويتوزعون كالآتي: 43 كتلة نداء تونس و13 مشروع تونس و5 كتلة آفاق تونس و5 الكتلة الوطنية و1 مستقل و1 من الوطني الحر، فيما احتفظ 1 مستقل و 1 من كتلة الوطني الحر بأصواتهم ، والحال أنّ الحدّ الأدنى للتصويت يقتضي حضور الثلث أيّ 73 نائباً وفق الفصل 109 من النظام الداخليّ لمجلس نوّاب الشعب.

واعتبر العضو المؤسّس للتحالف التونسي للكرامة حسين بوشيبة وأحد الضحايا المشمولين بقانون العدالة الانتقاليّة في حديثه إلى "المونيتور" أنّ التحالف تعهّد بتتبّع مسار العدالة الانتقاليّة التي نصّ عليها دستور ما بعد الثورة ، ابتداء من كشف الحقيقة، مروراً بالمحاسبة وجبر الضرر للضحايا، وصولاً إلى المصالحة الشاملة مع الجلّادين.

ويلزم الدستور التونسيّ لما بعد الثورة في فصله 148 الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقاليّة في كلّ مجالاتها طوال مدّة عمل هيئة الحقيقة والكرامة. حيث ينص كالآتي" تلتزم الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها والمدة الزمنية المحددة بالتشريع المتعلق بها ولا يقبل في هذا السياق الدفع بعدم رجعية القوانين أو بوجود عفو سابق أو بحجية اتصال القضاء أو بسقوط الجريمة أو العقاب بمرور الزمن." هذه الجملة إجابة على الاستفسار الخاص بصدور قانون العدالة الانتقالية".

واستغرب بوشيبة تحوّل ملفّ العدالة الانتقاليّة في تونس إلى قضيّة مزايدات وتصفية حسابات سياسيّة ضيّقة بين الأحزاب السياسيّة والكتل الحزبيّة داخل قبّة البرلمان.

وأكّد توجيه التحالف مراسلة إلى كلّ من رئيس الجمهوريّة الباجي قائد السبسي ورئيس الحكومة يوسف الشاهد ورئيس مجلس النوّاب محمد الناصر والمنظّمات الوطنيّة اتحاد الشغل وورئاسة كتلتي حركتي نداء تونس والنهضة، دعا خلالها إلى تحمّل جميع الأطراف المسؤوليّة السياسيّة والأخلاقيّة في سبيل عدم نسف مسار العدالة الانتقاليّة.

وشدّد بوشيبة في ختام حديثه على أنّ الشارع سيكون الفيصل، كآخر أشكال النضال لضحايا التعذيب والاستبداد للدفاع عن حقوقهم والضغط على الحكومة.

وتباينت مواقف كلّ من الكتلتين البارزتين في مجلس النوّاب التونسيّ حركتي النهضة ونداء تونس، في خصوص التمديد لعمل الهيئة من عدمه، حيث شدّد بيان صادر عن حركة النهضة في 28 آذار/مارس 2018 على تمسّك الحركة بمسار العدالة الانتقاليّة، باعتباره "استحقاقاً وطنيّاً"، وأعربت الحركة عن استنكارها الأجواء المشحونة التي دارت فيها جلسة التصويت على التمديد لعمل هيئة الحقيقة والكرامة، واعتبرت التصويت باطلاً، لما تضمّنه من إخلالات إجرائيّة.

مقابل ذلك، أشادت حركة نداء تونس في بيان لها في 26 آذار/مارس 2018 بتصويت كتلتها البرلمانيّة على الرفض لتمديد عمل الهيئة، وأعلنت أنّها ستقدّم مشروع قانون أساسيّاً بديلاً عن هيئة الحقيقة والكرامة لمواصلة مسار العدالة الانتقاليّة، من دون أن تكشف أكثر عن تفاصيل المشروع.

من جانبها، أكّدت العضو في هيئة الحقيقة والكرامة علا بن نجمة في حديثها إلى "المونيتور" أنّ الهيئة ستواصل عملها لمدّة سنة أخرى، على الرغم من قرار البرلمان بعدم التمديد لها.

وأوضحت أنّ الهيئة تلقّت منذ بدء عملها في عام 2014 أكثر من 65 ألف ملفّ يتعلّق بضحايا انتهاكات في فترة حكم بن علي وبورقيبة، من قتل وتعذيب واغتصاب واختفاء قسريّ وطرد تعسّفي، مشدّدة على التزام الهيئة بدراسة كلّ الملفّات في سبيل تحقيق العدالة الانتقاليّة وجبر الضرر للضحايا في شكل قانونيّ، بعيداً عن منطق التشفّي والانتقام من الجلّادين.

وشدّدت على أنّ قرار البرلمان باطل وغير قانونيّ، وعلى أنّه ليس من مهامه البتّ في مسألة التمديد. وأضافت: "النص القانونيّ واضح، وما حدث داخل البرلمان هو بمثابة الانقلاب على مسار العدالة الانتقاليّة، لأنّ الفصل 18 من قانون العدالة الانتقاليّة يعطي صلاحية التمديد إلى مجلس الهيئة، من دون الرجوع إلى أيّ جهة أخرى.

مقابل ذلك، أعربت بن نجمة عن مخاوفها من تعمّد بعض المؤسّسات الحكوميّة والوزارات عرقلة عمل الهيئة، على غرار وزارة الداخليّة التي رفضت حتّى اللحظة تمكين الهيئة من الاطّلاع على أرشيف البوليس السياسيّ والمحكمة العسكريّة، حيث رفضت مدّها بملفّات ضحايا الثورة.

وفيما تصرّ هيئة الحقيقة والكرامة على التمديد الآليّ لعملها سنة أخرى، رافضة قرار البرلمان بإيقاف نشاطها، مستمدّة شرعيّتها من الدستور ومن دعم ضحايا الاستبداد لها، تصرّ أطراف أخرى على اعتبار الهيئة في حكم اللاغية وتدعو إلى بديل جديد، وبين هذا وذاك، يبقى مسار العدالة الانتقاليّة في تونس مهدّداً تحت مقصلة هذه التجاذبات.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • Archived articles
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
وجد في : حقوق الإنسان

آمال الهلالي صحفية تونسية متخرجة من معهد الصحافة وعلوم الأخبار, عملت في عدة وسائل إعلام عربية ودولية أبرزها قناة الجزيرة وقناة العربية وقناة الحرة ومراسلة لمواقع إخبارية من تونس أهمها هافينغتون بوست عربي و العربية نت وإيلاف .

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept