نبض مصر

دلال عبد القادر المسحراتيّة الأولى في مصر تكسر التابوهات المجتمعيّة وتنتزع مهنة ظلّت حكراً على الرجال

p
بقلم
بإختصار
"المسحراتيّ" هو رجل يطوف في الشوارع لإيقاظ المسلمين قبل آذان الفجر في شهر رمضان لتناول وجبة السحور، وظلّت هذه المهنة حكراً على الرجال لقرون عدّة، لكنّ دلال عبد القادر كسرت هذه القاعدة، إذ تظهر في شوارع القاهرة حاملة طبلة في مشهد غير معتاد لإيقاظ المسلمين وجذب الأطفال حولها، وهو ما دفع ببعض السيّدات إلى خوض تجربتها نفسها. ومع ذلك، يظلّ انتشار "المسحراتيّة" في أضيق الحدود.

القاهرة - يعدّ المسحراتيّ من أهمّ المظاهر المرتبطة بشهر رمضان الكريم كلّ عام، وهو مهنة رمضانيّة تتوارثها الأجيال. ورغم التقدّم التكنولوجيّ الهائل الذي أدّى إلى تراجع أهميّتها، إلاّ أنّ مهنة المسحراتيّ ما زالت موجودة، خصوصاً في الأرياف والمناطق الشعبيّة، فهي مهنة تعتبر شاقّة، إذ يسير المسحراتيّ في الشوارع لمدّة ثلاث ساعات مردّداً التواشيح الدينيّة والعبارات الشهيرة على إيقاع الطبلة مثل "إصحى يا نايم". كما أنّ عائدها الماديّ محدود، إذ ينتظر المسحراتيّ حتّى أوّل أيّام العيد ليمرّ على المنازل من أجل أن يتلقّى المال والهدايا. ورغم ذلك، قرّرت عبد القادر امتهان هذه المهنة، لتصبح السيّدة الأولى التي تكسر هذه القاعدة.

تحكي عبد القادر، (43 عاماً)، لـ"المونيتور" قصّتها قائلة: "اخترت العمل كمسحراتيّة في عام 2012 بعد وفاة شقيقي، الذي كان يعمل مسحراتيّاً، لا سيّما أنّ بعد وفاته، أصبحت المنطقة التي أسكن فيها خالية من المسحراتيّ. ولذلك، قرّرت استكمال مهمّته".

أضافت: "كنت أساعده وأنزل معه إلى الشارع. ولذلك، لدى نزولي إلى الشارع وحدي لم يكن ظهوري مفاجئاً أمام جيراني".

تبدأ عبد القادر عملها في رمضان منذ الساعة 12 منتصف الليل حتّى آذان الفجر في حدود الساعة الثالثة، وتتجوّل في شوارع منطقتها بحيّ المعادي.

ولفتت عبد القادر إلى أنّ لمهنة المسحراتيّ متطلّبات خاصّة مثل "الصبر، قوّة الاحتمال، الإرادة، النظافة، حسن الصوت، والسلوك الحسن"، وقالت: "أشعر بحزن عندما أرى مسحراتيّاً لا يهتمّ بمظهره، فهو يسيئ إلى مهنتنا".

وعن المشقّة التي تتعرّض لها، قالت: "لا أستطيع أن أتجوّل في الشارع كلّ يوم، فأنا أطوف يوماً، وآخذ اليوم الذي يليه إجازة، إذ يتأثّر صوتي وأحتاج إلى مشروبات ساخنة لتحسينه".

فضلاً عن أنّ العائد الماديّ لهذه المهنة قليل للغاية، قالت: "إنّ المهنة مجهدة للغاية، لكنّي لا أكترث للجزء الماديّ، فأنا أعشق هذه المهنة".

واعتبرت عبد القادر أنّ مهمّتها كمحسراتيّ هي مهمّة إنسانيّة، وقالت: "أدخل البهجة إلى قلوب الأطفال. كما أنّ العائد الماديّ أستخدمه لمساعدة عائلتي والأسر الأكثر احتياجاً".

ورأت أنّ وجود المسحراتيّ مهمّ للغاية، خصوصاً في المناطق الشعبيّة، فهو من الطقوس الرمضانيّة، التي لا بدّ من تنميتها لدى الأطفال، وقالت: "لا يمكن تخيّل رمضان من دون فانوس أو كنافة أو مسحراتيّ، مهما تغيّر الزمن".

وعن المضايقات التي تتعرّض لها، قالت: "عندما أذهب إلى الأماكن الراقية لا يتفاعل سكّانها معي، خصوصاً أنّها مناطق هادئة إلى درجة تدفع بأحد السكّان إلى نصحها بعدم القدوم مرّة أخرى في حجة أنّ سكّان هذه المناطق بمعظمهم لا يشعرون بأجواء شهر رمضان ولا يصومون"، لكنّها لفتت إلى أنّها لا تكترث لهذه التعليقات.

يبدو أنّ عبد القادر معتادة على المهن الصعبة، إذ تعمل مكوجيّة منذ 22 عاماً، وهي من المهن التي يحتكرها الرجال في مصر. وعبّرت عبد القادر عن أمنيتها في أن تنتشر مهنة المسحراتيّة لدى السيّدات، خصوصاً أنّها لا تنافي الأخلاق، لكنّها رأت أنّ الأهمّ هو تطابق الشروط التي ذكرتها.

لقد نجحت المرأة المصريّة، خصوصاً بعد الأعوام التي تلت ثورة 25 كانون الثاني/يناير من عام 2011، في تحطيم الصور النمطيّة والأعراف التقليديّة عن أدوار المرأة، إذ امتهنت أعمالاً كانت حكراً على الرجال وحطّمت مقولة "للرجال فقط"، منها الجزارة والنجارة وسوّاقة النقل العام، وغيرها.

وفسّر أستاذ علم الاجتماع في جامعة "عين شمس" الدكتور سمير عبد الفتّاح في حديث لـ"المونيتور" أسباب اقتحام السيّدات المهن التي كانت حكراً على الرجال، قائلاً: "الستّ أصبح تعليمها أفضل من السابق، وبات لها دور اجتماعيّ واقتصاديّ كبير، خصوصاً مع تزايد نسبة المرأة المعيلة في المجتمع".

وعن عمل المسحراتيّة تحديداً، قال: "كان دور المسحراتيّ يحمل طابعاً دينيّاً في البداية، ولكن مع اقتحام السيّدات هذه المهنة، بات يحمل طابعاً اقتصاديّاً، فالمرأة تستغلّ كلّ الفرص لتحقيق ربح اقتصاديّ حتّى ولو كان محدوداً".

واعتبر أنّ عمل المسحراتيّة له دلالات اجتماعيّة مهمّة، وهي "تقوية العلاقات الاجتماعيّة مع الجيران والأقارب والأصدقاء، باعتبارها سفيرة لمنطقتها ومسؤولة عن تحسين صور السيّدات، فنجاحها سيمثّل دليلاً على قدرة المرأة على القيام بالمهام الصعبة. وفي حال فشلها، فهذا الأمر سيؤثر سلباً على صورة المرأة المصريّة".

من جهته، اعتبر مدير مركز المرأة للإرشاد والتوعية القانونيّة رضا الدنبوقي في حديث لـ"المونيتور" أنّ ممارسة المرأة تلك المهنة هي أمر إيجابيّ، وقال: "إنّها طقس دينيّ يأتي تفعيلاً لحديث رسول الله تسحّروا، فإنّ في السحور بركة. كما أنّها خطوة لكسر تابو العادات والتقاليد التي يصنعها المصريّون لأنفسهم"، لكنّه يخشى من ارتباط المهنة بمناسبة دينيّة، وهي شهر رمضان، الأمر الذي قد يستغلّه المتشدّدون لانتقاد المرأة التي تقوم بمهمّة المسحراتيّ.

وأكّد أنّه لا يوجد نص لا في الشرع ولا في القانون يمنع ذلك، بل إنّه تفعيل لنص المادّة ٥٣ من الدستور، التي تنصّ على عدم التمييز على كلّ المستويات والأصعدة.

واعتبر أنّ انتشار المسحراتيّة في مصر سيسهم في خلق جيل جديد مؤمن بالمساواة وبحقّ النساء في العمل أيّاً كانت ظروفه، وسيحدّ من النظرة النمطيّة للنساء، وقال: "كما أنّه نواة لتمكين النساء من كلّ الوظائف أيّاً كانت طبيعتها وتقبّل المجتمع لها".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

ريهام مقبل حاصلة على درجة الماجستير من الجامعة الأوروبية المركزية في العلاقات الدولية، وبكالريوس الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وصحفية مستقلة تكتب في دويتشه فيله بالعربي ولديها اهتمام خاص بقضايا المرأة المصرية. وعملت في المركز الاقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة ومجلة الديمقراطية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept