نبض مصر

هل تمنح الدولة قبلة الحياة لـ"المنتج المحلي"؟

p
بقلم
بإختصار
وافق مجلس النوّاب على تعديلات قانون تمنح المنتج المحليّ المصريّ الأفضليّة في العقود الحكوميّة عن المنتج المستورد. ورغم تأييد العديد من الخبراء الاقتصاديّين للقانون، إلاّ أنّ جانباً آخر رأى أنّ القانون ربّما يؤدّي إلى أضرار جسيمة تتعلّق بجودة المنتجات المحليّة المقدّمة إلى الحكومة وإلى أضرار أخرى تتعلّق بوضع مصر في الاتفاقيّة العامّة للتعرفة الجمركيّة والتجارة "الجات".

القاهرة – بشكل نهائيّ، صوّت مجلس النوّاب المصريّ في 29 أيّار/مايو على تعديلات القانون رقم 5 لسنة 2015 المعروف باسم "قانون تفضيل المنتج المصريّ في العقود الحكومية" بالموافقة، بعد أن أجرى تصويتاً مبدئيّاً على تعديلات القانون في 15 أيّار/مايو بالموافقة مع ملاحظات بعض النواب التي أدّت إلى تأجيل الموافقة النهائيّة لتصويت نهائيّ في 29 أيّار/مايو.

ويذكر أنّ الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي أصدر قراراً بقانون في 19 كانون الثاني/يناير من عام 2015 يقضي بتفضيل المنتجات المصريّة الصناعيّة على الأجنبيّة في كلّ عمليّات الشراء التي تقوم بها الحكومة، وتضمّنت تعديلات القانون التي وافق عليها مجلس النوّاب نهائيّاً تعديل تعريف المنتج الصناعيّ الوارد في المادّة رقم 1 من القانون بإضافة "منتجات تكنولوجيا المعلومات"، التي لم تكن موجودة في النسخة الأولى من القانون. كما تضمّنت التعديلات أن يشمل مصطلح "التعاقدات الحكوميّة" كلّ التعاقدات الخاصّة بالقطاع الحكوميّ أو القطاع العام أو قطاع الأعمال (الشركات المملوكة للدولة أو التي تملك الدولة جزءاً من أصولها أو رأس مالها بالشراكة مع القطاع الخاص، وهي هادفة للربح) مثل المصرية للاتصالات، والشركة القابضة للمياه الشرب، ومصر للطيران، بعد أن نصّ القانون في نسخته الأولى على أن يقتصر تفضيل المنتج المصريّ على القطاع العام فقط.

ونصّ القانون في نسخته الأولى قبل التعديلات الأخيرة على أن تتشكّل لجنة عليا لتفضيل المنتج المصريّ برئاسة الوزير المختصّ (وزير التجارة والصناعة طارق قابيل)، وتتشكل اللجنة من وزراء التجارة والاستثمار وقطاع الأعمال وكافة الوزراء المعنيين بالمرافق أو مندوبين عنهم، بالإضافة إلى مندوبين عن كافة غرف اتحاد الصناعات المصري، واللجنة هي المسئولة عن اتخاذ كافة الإجراءات والتدابير التي تضمن تفضيل المنتج المصري في العقود الحكومية وتذليل كافة العقبات أمام تلك المهمة. وبينما نصّت التعديلات على أن يفوّض الوزير شخصاً في كلّ جهة أو مؤسّسة من المؤسّسات المعنيّة بالقانون بالقيام بمهامه داخل تلك المؤسّسة. ونصّت التعديلات أيضاً على أن تستوفي كلّ جهة أو مؤسّسة من المؤسّسات الحكوميّة المعنيّة بالقانون استمارة أو شهادة من اتّحاد الصناعات أو هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات تدلّ على استيفاء كلّ منتجاتها أو خدماتها لنسبة المكوّن المصريّ، على ألاّ تقلّ نسبة المكوّن المصريّ عن 40 بالمئة من قيمة التعاقدات، وفقا لتعديلات نفس القانون رقم 5 لسنة 2015 ويحقّ لرئيس الوزراء رفع النسبة إلى 50 بالمئة في الحالات التي يرى أنها تسمح بذلك دون أن يكون لتوغل المنتج المصري تأثير على كفاءة أو جودة المشروعات أو المنتجات أو الخدمات المقدمة، كما يحقّ له استثناء من القانون بعض التعاقدات الخاصّة بالشرطة والقوّات المسلّحة والمخابرات وغيرها من المؤسّسات إذا ارتبطت التعاقدات ببنود شرائيّة تستدعي السريّة لاعتبارات الأمن القوميّ.

وتعليقاً على تعديلات القانون، قال رئيس المنتدى المصريّ للدراسات الاقتصاديّة والاستراتيجيّة رشاد عبده لـ"المونيتور": "إنّ تعديلات القانون تحقّق ميزة للدولة وللمستثمر المحليّ، فبالنّسبة إلى المستثمر المحليّ، ستشجّع المنتجين المحليّين على تحسين الجودة مع تقليل السعر للقدرة على المنافسة مع المنتج العالميّ أو الأجنبيّ، إذ في حال تفوّق الجودة مع تساوي السعر ستكون الأفضليّة للمنتج المصريّ بموجب القانون الجديد، الأمر الذي يشجّع المنتج المحليّ على الارتقاء إلى المستوى العالميّ".

أمّا بالنّسبة إلى المميّزات التي تحقّقها الدولة من القانون فقال: "إنّ القانون سيدفع بصاحب المنتج المستورد أو الأجنبيّ إلى تقليل هامش ربحه لمنافسة المنتج المحليّ على السعر أو دفع المستثمر الأجنبي إلى القدوم للاستثمار في مصر لاعتبار منتجه منتجاً محليّاً، لأنّ المنتج المحليّ هو أيّ سلعة أو خدمة تنتج محليّاً حتّى لو كان المصنع أو الشركة المنتجة لها ذات رأسمال أجنبيّ".

فيما اختلف رئيس قسم الاقتصاد في أكاديميّة "السادات" للعلوم الإدارية إيهاب الدسوقي في الرأي مع رشاد عبده، إذ قال في تصريحات لـ"المونيتور": إنّ القانون لا يراعي العديد من الاعتبارات الدوليّة الخاصّة باتفاقيّة الجات "الاتفاقيّة العامّة للتعرفة الجمركيّة والتجارة" والتي تنصّ على أنّ المنتجات الحكوميّة المحليّة، لا بدّ أن تتّسم بالتكافؤ في المنافسة مع المنتج المستورد من دون أيّ تفضيل.

وأشار في السياق ذاته إلى أنّ القانون ربّما يتسبّب في غرامات كبيرة لمصر، في حال قيام دولة برفع دعوى قضائيّة أو شكوى إلى منظّمة التجارة العالميّة، وأنّه قد يكون له مردود عكسيّ عندما يضمن المنتجون المصريّون وجود الأفضليّة لهم، وبالتّالي يقلّلون السعر مع تقليل الجودة.

وعن مميّزات أخرى للقانون، قال أستاذ التمويل والاستثمار في جامعة القاهرة الدكتور مصطفى بدرة لـ"المونيتور": إنّ القانون يوفّر لمصر العملة الصعبة التي تنفقها على المنتج المستورد، في حال توافر المنتج المحليّ المكافئ له.

ولفت إلى أنّ القانون لم يغفل أنّ العديد من المنتجات المصريّة المحليّة يعتمد على موادّ خامّ مستوردة. ولذلك، أعطى الأفضليّة للمنتجين المحليّين أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسّطة في حال اعتمادهم في صناعتهم على خامات وموادّ محليّة.

ونصّت التعديلات على أن تعفى المشاريع المحلية الصغيرة والمتوسّطة والمتناهية الصغر من نصف التأمين الابتدائيّ ونصف التأمين النهائيّ لأيّ مناقصة تنظّمها الجهات المعنيّة بالقانون، إذا كانت المنتجات الصناعيّة الصادرة عن تلك المشاريع مستوفية لنسبة المكوّن الصناعيّ المصريّ المطلوبة، وهي نسبة الـ40 في المئة السابق ذكرها لتحفيز الصناعات الصغيرة والمتوسّطة على الإنتاج والبيع للشركات والمؤسّسات الحكوميّة.

وفنّد المستشار الاقتصاديّ لعدد من المؤسّسات الاقتصاديّة والاستثماريّة وائل النحّاس لـ"المونيتور" مميّزات تعديلات القانون، قائلاً: "إنّ القانون يعتبر فرصة لتنمية الإنتاج المصريّ وتطويره وتحسينه وفرصة لجذب الاستثمارات الصناعيّة إلى مصر وفرصة أيضاً للحكومة والدولة لتوفير العملة الصعبة التي أدّى إهدارها إلى وقوع الدولة في أزمة اقتصاديّة في عامي 2015 و2016، ما زالت مصر تحاول التعافي منها حتّى الآن".

وبالنّسبة إلى العيوب، قال وائل النحّاس: "يشكّل القانون خطورة على وضع مصر في اتفاقيّة الجات، إضافة إلى أنّ الفساد الحكوميّ ربّما يسهّل لبعض المستثمرين المصريّين فرصة الاستحواذ على العديد من المناقصات وأوامر التوريد الصادرة عن الشركات والمؤسّسات الحكوميّة في حال التساوي مع سعر المنتج المستورد من دون النظر إلى الجودة,  فضلاً عن أنّ القانون ربّما يتحوّل إلى مجرّد حبر على ورق لأنّ مصر لا تنتج العديد من المنتجات والخدمات. وبالتّالي، سيجد رئيس الوزراء نفسه مضطراً لاستثناء العديد من المناقصات من شرط الـ40 في المئة الخاصّة بالمنتج المصريّ". 

أضاف: "يمكن التعامل مع أزمة اتفاقيّة الجات بالتفاوض إذا حقّق القانون أقصى مميّزاته، ولن يتحقّق ذلك إلاّ في حال حلّ المعضلات الأخرى بأن تشكّل الحكومة لجاناً رقابيّة تطبّق معايير حادّة على المنتجات المحليّة لضمان جودتها، مع وضع قوائم بكلّ المنتجات التي تحتاج إليها المؤسّسات المعنيّة بالقانون وتقديم تسهيلات إلى الراغبين بالاستثمار في مجال إنتاج السلع والخدمات التي ليس لها نظير محليّ".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept