نبض العراق

لا يسمح للرجال بالدخول إلى مقاه ومطاعم خاصّة بالنساء

p
بقلم
بإختصار
أنشئت في العراق مقاه ومطاعم خاصّة بالنساء لا يمكن للرجال الدخول إليها، وهي تجارب تحدث للمرّة الأولى في بلاد وادي الرافدين، لكنّ السؤال يبقى: هل ستستمرّ هذه المشاريع أم أنّ أمدها قصير.

 "من الضروريّ أن نشعر بالراحة، بعيداً عن الأماكن التي تعجّ بالضوضاء، وتعجّ في بعض الأحيان بأعين الشباب وتحرّشهم غير المباشر. أنا سعيدة بوجود هذا المقهى الذي سأرتاده باستمرار"، قالت زهراء سعد (29 عاماً)، وهي إحدى زبونات مقهى "فيولا" للنساء في العاصمة العراقيّة بغداد.

كانت زهراء سعد تعاني من تقيّد في مسألة الخروج إلى مكان خاص مع صديقاتها، بعيداً عمّا يقيدهنّ، فوجدن أخيراً مقهى لا يُمكن للرجال الدخول إليه ولا يستقبل أيّاً من الذكور مهما كانت الأسباب، وهذا ما جعلها وصديقاتها يكنّ سعيدات بمثل هذا المشروع الذي سيُعطي إلى المرأة مساحة من الحريّة والخصوصيّة.

وقالت سعد، التي تعمل في شركة استثمار ببغداد خلال مقابلة مع "المونيتور": "قد لا أتّفق كثيراً مع فكرة انعزال الرجال عن النساء، إذ أنّها فكرة ستعمّق الفجوة في العلاقة بين الجنسين، لكنّني في الوقت ذاته أرى ضرورة في أن تكون هناك مقاه ومطاعم خاصّة بالنساء".

"إنّ فكرة التواجد في مقاه ومطاعم كهذه لا تعني أنّني لا رغب في التواصل مع أصدقائي وزملائي من الذكور، لكنّها فرصة للتخلّص من الرجال ومشاكلهم"، أضافت سعد مازحة.

لكن صاحبة المطعم رشا الحسني التي تمتلك مركزاً للتجميل، قُتلت في الثالث والعشرين من آب/أغسطس الماضي دون معرفة الأسباب، وتأتي هذه الحادثة بعد أسبوع على مقتل خبيرة التجميل وصاحبة مركز باربي الدكتورة رفيف الياسري، لكن الحسني لم تكن صاحبة مركز التجميل فحسب، بل قبل وفاتها بأشهر إفتتحت مطعم فيولا الذي مازال يعمل حتى بعد وفاتها.

والتقى "المونيتور" عاملة في مقهى "فيولا" ببغداد، لكنّها رفضت الكشف عن اسمها لأسباب أمنيّة تتعلّق بالوفاة الغامضة لمديرته رشا الحسن في 23 آب/أغسطس، وقالت: "كنت سعيدة بالعمل لأكثر من شهر في هذا المقهى، لكنّني للأسف تردّدت كثيراً بعد الوفاة الغامضة لمديرته".

وتحدّثت العاملة عن الأيّام الأولى التي شهدها المقهى، وقالت: "كانت أيّام جميلة، وكان هناك تفاعل إيجابيّ من قبل النساء معنا. لقد كان الإقبال في تصاعد مستمرّ، والجميع كان يعبّر عن سعادته بافتتاح المشروع".

وقبل وفاتها، قالت رشا الحسن في تصريحات صحافيّة: "شاهدت هذه الفكرة في بلدان عربيّة عدّة، وأحببت نقل التجربة إلى العراق وتخصيص كافيه للنساء في العاصمة بغداد".

أضافت: "أكثر العوائل العراقيّة محافظة، وليس بإمكان كلّ النساء الخروج إلى أماكن يتواجد فيها الرجال. ولذا، أوجدنا هذا المكان الذي تتوافر فيه الخصوصيّة".

تأتي تجربة المطاعم والمقاهي الخاصّة بالنساء، في ظلّ تزايد النشاطات الثقافيّة والفعاليّات المدنيّة والاجتماعيّة للمرأة العراقيّة وقيادتها مشاريع في المجتمع المدنيّ أو في الحملات الإغاثيّة وبروز دعم مجتمعيّ ودوليّ لها في إبراز طاقاتها، مثل حملات الإغاثة في مساعدة النازحين، وكذلك حملات المدافعة عن حقوق الإنسان، بالإضافة إلى إفتتاحهن متاجر لبيع الكُتب ومحافظات أخرى.

لم يكن في العراق سابقاً أيّ مقهى أو مطعم خاص بالنساء، لكنّ هذه الفكرة استحدثت خلال الأشهر الماضية في محافظة ذي قار جنوبي العراق وكذلك إقليم كوردستان العراق، وأيضاً في العاصمة العراقيّة بغداد، أمّا في عام 2009 فكانت فتاة بغداديّة تُدعى فرح الربيعي قد سبقت خطوتيّ المطعم والمقهى بإنشاء مقهى (عشتار) الأوّل للإنترنت في العاصمة بغداد، بيد أنّ المشروع لم يدم طويلاً ولم يروّج له بشكل كبير بسبب غياب مواقع التواصل الاجتماعيّ آنذاك.

التحرّش والمضايقات اللتان تتعرّض لهما الفتيات والنساء إذا ما خرجن إلى بعض الأماكن العامّة، ربّما هما حافز لتشجيع مثل هذه المشاريع أو دفعهنّ إلى التفكير بها، وهذا ما شجّع تارا محمّد صاحبة المطعم الأوّل الخاص بالنساء في محافظة أربيل.

وما زالت تارا محمّد تُعاني من المضايقات والتحرّش النظريّ، حتّى عندما أسّست مشروعها الجديد الخاص بالنساء، إذ أنّ عدداً من الشباب يأتون إلى المكان لمعرفة ما في داخله للاطّلاع أو الفضول والنظر إلى الفتيات، وهو ما سيدفع بها إلى وضع "سكيورتي" على الباب، وقالت محمّد لـ"المونيتور": "فكّرت بالفتيات كثيراً وفي كيفيّة أن يكنّ في مكان مريح من دون التعرّض إلى مضايقات، وهذا المشروع سيساعدهنّ على قضاء أوقات إيجابيّة ومريحة وبعيدة عن التقيّد أو الأعين التي لا تكفّ عن النظر إليهنّ".

أضافت: "آمل في أن يكون هذا المكان بداية لانطلاق مشاريع أخرى مشابهة تساعد الفتيات والنساء على الاستمتاع بأوقاتهنّ وأخذ أوقات من الراحة".

المطعم، الذي حمل اسم "لاكشري تايم" كلّ كادره من النساء، وهو التجربة الأولى في العراق كمطعم، لكنّه ليس الأوّل من ناحية الأماكن التي لا يدخل إليها الرجال.

في هذا السياق، قال الباحث في وزارة العمل والشؤون الإجتماعيّة بالعراق سعيد كريم في حديث لـ"المونيتور": "التحرّش والمضايقات اللذان تتعرّض لهما فتيات، هما من الأسباب التي تدفع بالنساء إلى التفكير بإقامة مشاريع كهذه، وهذا تصرّف صحيح حتّى لا يحد من حريّة النساء ويبعدهنّ عن المضايقات".

أضاف: "لكنّنا في المحصّلة يجب أن نضع حدّاً لحالات التحرّش التي تحدث، فمعالجتها لا يمكن أن تكون عبر عزل النساء عن الرجال، بل على العكس، نحن في حاجة إلى تواصل مستمرّ بين الجنسين في العمل والحياة الطبيعيّة".

في عام 2010، كانت هناك تجربة نسائيّة هي الأولى من نوعها في العراق، لكنّها لم تكن خاصّة بالنساء فحسب، بل اتّسعت دائرتها لتشمل العوائل، وكان المطعم المطلّ على نهر دجلة في بغداد يديره كادر نسائيّ بالكامل، لكنه لم يستمر دون معرفة الأساب. وتجدّدت تجربة عام 2018 أخيراً في شارع الأربعين بمحافظة بابل - جنوب بغداد، حيث أسّست مجموعة من الفتيات مقهى يُدار من قبلهنّ فقط ضمن مؤسسة أبجد الثقافية هو يستقبل الذكور والإناث والعوائل، وكذلك الفعاليّات والنشاطات الثقافيّة.

إنّ افتتاح المشاريع الخاصّة بالنساء أو تلك التي تُدار من قبلهنّ فقط، قد تتحوّل من حالات فرديّة إلى ظاهرة في المستقبل القريب، خصوصاً أنّ هذه المطاعم والمقاهي سبقتها مشاريع لفتيات عراقيّات افتتحن مكاتب لبيع الكتب في العاصمة العراقيّة بغداد. وفي المحصّلة، تعطي مثل هذه المشاريع حافزاً إلى المرأة العراقيّة لتقديم أفكارها وابتكاراتها وتساعدها على الدخول إلى سوق العمل بمجالات عدّة، ولا تبقيها حبيسة الوظيفة الحكوميّة. كما أنّ مشاريع كهذه لا تتعلّق نتائجها بالوضع الاقتصاديّ فحسب، بل بتطوّر فكرة المجتمع عن المرأة ونشر الحياة المدنيّة التي يطمح إليها طيف واسع من العراقيّين.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : حقوق المرأة

مصطفى سعدون هو صحفي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان. عمل مراسلاً في مجلس النواب العراقي.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept