نبض فلسطين

برفقة ابنتيهما... المخرجة مي مصري تواصل مشوار جان شمعون لحفظ إرثه السينمائيّ

p
بقلم
بإختصار
يبدو أنّ المخرجة والسينمائيّة الفلسطينيّة مي مصري أكثر قوّة الآن لمواصلة طريق السينما، التي سارت بها لسنوات مع رفيقها جان شمعون للحفاظ على إرثه.

رام الله – الضفّة الغربيّة: بين شوارع وأبنية مهيّأة للانهيار في أيّ لحظة تحت سماء ملبّدة برصاص القنّاصة، كانت تسير المخرجة السينمائيّة الفلسطينيّة مي مصري وزوجها المخرج اللبنانيّ جان شمعون ليوثقان مشاهد الدمار والخراب خلال حرب 1982 وبعدها، هذه المشاهد الارشيفية هي واحدة من عدة مشاهد ضمنتها مي مصري في فيلم تسجيلي اطلقت عليه اسم 27 دقيقة، وانتج حديثا، رصدت فيه رحلتها الشخصيّة والسينمائيّة مع شريكها في الحياة وكاميرا التصوير شمعون، والذي عرض للمرّة الأولى في حفل تكريمه بمدينة رام الله - وسط الضفّة الغربيّة في 28 آب/أغسطس، بعد عام على رحيله في 10 آب/أغسطس من عام 2017.

ويوثق الفيلم التسجيلي الذي جرى عرضه توثيقاً لحياة شمعون بمختلف جوانبها، والسينما التي قدّمها طيلة السنين الماضية، ومواقفه ورؤيته السياسيّة قبل وفاته في لبنان والقضيّة الفلسطينيّة، وشمل التكريم عرض العديد من أعمالهما: "طيف المدينة"، "بيروت جيل الحرب"، "أحلام معلّقة"، و"3000 ليلة"، إضافة إلى عقد ندوات وجلسات نقاش حول هذه الأفلام مع مختصّين في الشأنين الثقافيّ والسينمائيّ.

ولطالما شكّل شمعون ومصري ثنائيّاً سينمائيّاً ارتكز في عمله على تبنّي القضيّة الفلسطينيّة وإنتاج أفلام وثائقيّة وافلام روائيّة تعالج محطّات وزوايا عديدة ليشكّلا مع تلك القضيّة ثالوثاً مميّزاً.

وكان التعاون السينمائيّ قد بدأ بينهما أثناء اجتياح إسرائيل للبنان خلال عام 1982، حسب ما قالته مصري لـ"المونيتور"، واستمدّ أهميّته في "تركيزه على القضيّة الفلسطينيّة سينمائيّاً"، لافتة إلى أنّ لقاءهما الأوّل كان خلال عام 1980 في مؤسّسة السينما الفلسطينيّة ببيروت، والذي تجدّد بعد إنهائها دراستها في سان فرانسيسكو بالولايات المتّحدة الأميركيّة وعودتها إلى لبنان، لتبدأ رحلتهما السينمائيّة سويّة، وتوّجت بعد 4 سنوات بالزواج.

ويعدّ فيلم "تحت الأنقاض" المصوّر خلال اجتياح بيروت، باكورة أعمالهما المشتركة، وقالت: "عشنا مراحل صعبة أثناء تصوير الأفلام، خصوصاً أثناء حصار بيروت عام 1982. ورغم فداحة الأحداث، استمررنا في التركيز على عملنا".

وارتبط شمعون بالقضيّة الفلسطينيّة قبل تعرّفه وارتباطه بـمصري، من خلال المشاركة في تأسيس مؤسّسة السينما الفلسطينيّة ببيروت وإنجاز أفلام عدّة، أهمّها: "تلّ الزعتر" عام 1976 الذي يتناول مجزرة مخيّم تلّ الزعتر.

وساهم ارتباط شمعون ومصري في ولادة 15 فيلماً مشتركاً انحازا فيها للإنسان العربيّ المهمّش والفئات الاجتماعيّة المسحوقة ونقل رسالتهما إلى العالم من خلال السينما كونها أداة إبداع وتغيير، كفيلم "زهرة القندول" عام 1986، والذي يتناول دور المرأة في جنوب لبنان أثناء الاحتلال الإسرائليّ، و"بيروت– جيل الحرب" عام 1989، والذي يتحدّث عن الأجيال التي نشأت وكبرت خلال فترة الحرب.

كما شارك شمعون في إنتاج أفلام مصريّة خاصّة مخصّصة للأطفال، وهي: "أطفال شاتيلا 1998"، و"أحلام المنفى الذي بدأ جرى تصويره عام 2000، وعرض 2001".

وتعكف مصري حاليّاً على كتابة سيناريو فيلم روائيّ طويل حول فلسطين، رافضة كشف المزيد من التفاصيل عن المشروع الجديد الذي ما زال طور التبلور، كما قالت لـ"المونيتور"، وهو فيلمها الأوّل بعد رحيله، الأمر الذي يؤكّد مواصلتها على درب رفيقها شمعون، الذي ترك إرثاً سينمائيّاً زاخماً، بمثابة مادّة تاريخيّة وتوثيقيّة لحقبة زمنيّة مليئة بالأحداث، الأمر الذي يلقي على عاتق مصري مهمّة الحفاظ عليه.

وقالت مصري، التي تنحدر أصولها من مدينة نابلس الفلسطينيّة - شمال الضفّة: "إنّ المحافظة على إرث وسيرة جان شمعون الثقافيّة والسينمائيّة يكمن في الاستمرار بالعمل وفق المبادئ التي عملنا عليها".

ويبدو أنّ تلك المهمّة لن تكون ملقاة على عاتقها لوحدها، إذ تشاركها ابنتاها هنا ونور في هذه المسؤوليّة أيضاً، فهما ورثتا حبّ السينما بعد تفتّح عينيهما على التمثيل والتصوير والإخراج، حيث شاركت هنا، وهي بالـ6 من عمرها في فيلم "طيف المدينة"، الفيلم الروائيّ الوحيد لشمعون، لتعود مع شقيقتها نور إلى التمثيل في فيلم والدتهما الروائيّ "3000 ليلة" خلال عام 2015، وهو يتحدّث عن الأسيرات الفلسطينيّات في السجون الإسرائيليّة، ولعبت هنا دور أسيرة فلسطينيّة تضع مولودها في السجن، بينما أدتّ نور دور السجّانة.

وقالت مصري: "بدأت بالعمل في مجال الإخراج مع جان. أمّا الآن فأكمله مع ابنتيّ، إنّه شعور رائع لمواصلة مشوار جان والمحافظة على إرثه الذي سيكمّل بهما".

واستقطب حفل تكريم شمعون في رام الله جمهوراً كبيراً، خصوصاً الأجيال الشابّة، رغم أنّه تمّ عرض أفلام تاريخيّة، وهو ما أثار إعجاب مصري، إذ قالت: "هناك اهتمام متزايد بالتاريخ والذاكرة لدى الشباب. ولذلك، تحظى الأفلام التي أنتجناها باهتمام متزايد، كونها تمثّل ذاكرة تلك الحقبة".

أضافت: "بعد رحيل شمعون، شعرت بقيمته الكبيرة وبمحبّة الناس له والأثر الذي تركه ليس في فلسطين وحسب، وإنّما في العالم، لأنّ رسالته الأساسيّة كانت الدفاع عن الإنسان وحقوقه الإنسانيّة والاجتماعيّة، سواء أكان من خلال القضيّة الفلسطينيّة أم التحوّلات الكبيرة التي عاشها لبنان على صعيديّ الحرب الأهليّة أو حروب إسرائيل".

ولعلّ احتفاء فلسطين بشمعون وتكريمه في ذكرى وفاته الأولى، يحملان رسالة شكر وعرفان لدوره في إبراز القضيّة الفلسطينيّة، إذ قال منظما التكريم، وهما: بلديّة رام الله ومؤسّسة "فيلم لاب" في بيان صحافيّ بـ27 آب/أغسطس: "إنّ التكريم يأتي إيماناً بأهميّة أعمال شمعون، كونه قامة سينمائيّة عربيّة قدّمت كثيراً إلى فلسطين ثقافيّاً وفنيّاً وسينمائيّاً، ومواقفه السياسيّة لم تكن يوماً مواربة".

وعن ذلك، قالت مصري: "تكريم فلسطين له يحمل معاني كثيرة وأهميّة كبيرة، لأنّه تكريم من قبل القضيّة التي دافع عنها جان طوال حياته، فهذا الاهتمام يفرّحني ويمنحني معنويّات قويّة ويعزّيني بفقدانه".

أضافت: "التكريم يمثّل لفتة محبّة لدور جان في مساعدة القضيّة الفلسطينيّة، من خلال السينما".

وتابعت: "السينما وسيلة تعبير ذات تأثير فعّال. ولذلك، إنّ الأفلام التي صنعها انتشرت عالميّاً، وعرضت في دور العرض والتلفزيونات والمحافل الثقافيّة الدوليّة، وخلقت تأثيراً عاطفيّاً وسياسيّاً ومعرفيّاً وثقافيّاً".

من جهته، قال مؤسّس مؤسّسة "فيلم لاب" ومديرها الفنيّ حنّا عطا الله لـ"المونيتور": "إنّ تكريم جان جاء لاعتباره من أوائل السينمائيّين العرب الذين تبنّوا القضيّة الفلسطينيّة، ومن روّاد ومؤسّسي مؤسّسة السينما الفلسطينيّة في بيروت، التي شهدت لقاءه مع مصري".

ولفت إلى أنّ شمعون ساهم في "توثيق حياة الشعب الفلسطينيّ والمحطّات التي مرّ بها بشكل إيجابيّ مغاير عن الصورة السلبيّة التي كان يروّج لها في العالم، والحفاظ أيضاً على ثقافة هذا الشعب وهويّته وروايته".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

أحمد ملحم صحفيٌ ومصورٌ فلسطيني مقيم في رام الله، ويعمل لحساب صحيفة الوطن وعدد من وسائل الاعلام العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept