نبض فلسطين

العمل في إسرائيل... حلم العمّال الفلسطينيّين على الرغم من المطاردة

p
بقلم
بإختصار
بينما يعتبر العمل داخل إسرائيل حلماً للعمّال الفلسطينيّين بسبب ارتفاع الأجور هناك 3 أضعاف أجورهم في الضفّة الغربيّة، تبدو حياة الآلاف من العمّال الفلسطينيّين مليئة بالمغامرة والمطاردة المستمرّة من قبل القوّات الإسرائيليّة، بسبب عدم حصولهم على تصريح بالعمل داخل إسرائيل لأسباب أمنيّة.

مدينة غزّة - يستيقظ العامل مهدي الجعبري (37 عاماً) من محافظة الخليل في جنوب الضفّة الغربيّة، عند الساعة الثالثة من فجر كلّ يوم أحد من كلّ أسبوع، للاصطفاف في طابور طويل أمام حاجز ميتار الإسرائيليّ الذي يفصل مدينة الخليل عن إسرائيل، بحثاً عن لقمة العيش داخل المدن الإسرائيليّة.

يقول الجعبري الذي يعمل منذ 11 عاماً في مجال البناء في مدينة هرتسيليا وسط إسرائيل بموجب تصريح عمل إسرائيليّ يتمّ تجديده مرّة كلّ 45 يوماً، لـ"المونيتور": "إنّ هذه الرحلة تستمرّ لـ3 ساعات من الانتظار على الحاجز الإسرائيليّ، يقوم خلالها الجنود الإسرائيليّون بتفتيشي والعاملين الآخرين جسديّاً وأحياناً باستخدام الكلاب البوليسيّة".

ويضطرّ الجعبري إلى الغياب عن أسرته والمبيت داخل إسرائيل لأسبوع كامل، من أجل تجنّب تكرار المعاناة عند الحاجز الإسرائيليّ خلال تنقّله بين الخليل وإسرائيل، ويعود إلى أسرته مساء الجمعة لقضاء إجازة السبت التي تعتبر عيداً في إسرائيل، قبل أن يبدأ بالاستعداد لرحلة العمل مجدّداً.

ويضيف الجعبري: "على الرغم من معاناة التنقّل المتكرّرة، إلّا أنّ العمل داخل إسرائيل يعدّ حلماً بالنسبة إلى العامل الفلسطينيّ، بسبب ارتفاع الأجر اليوميّ في إسرائيل بمقدار 3 أضعاف أجر العمل في الضفّة الغربيّة، إذ يبلغ الأجر اليوميّ في الضفّة الغربيّة 100 شيقل، فيما يبلغ داخل إسرائيل 300 شيقل".

ويعدّ العمل داخل إسرائيل ملجأً للعمّال الفلسطينيّين للتخلّص من البطالة، إذ تبلغ في قطاع غزّة 53,7%، وفي الضفّة الغربيّة 19,1%، بحسب آخر إحصاء نشره الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ في 7 آب/أغسطس 2018.

ويفيد الإحصاء أنّ عدد العاملين الفلسطينيّين في إسرائيل ومستوطناتها في الضفّة الغربيّة يبلغ 600125 عامل، من بينهم 37200 عامل يعملون بلا تصاريح عمل.

وأشار إلى أنّ 61,6% من العمّال الفلسطينيّين داخل إسرائيل ومستوطناتها، يعملون في مجال البناء والتشييد، والبقيّة في مجالات الزراعة والصناعة.

في منتصف يوليو 2018، لجأ نضال (49 عاماً) من مدينة نابلس في شمال الضفّة الغربيّة، إلى دخول إسرائيل عن طريق التهريب على أيدي سماسرة تهريب من عرب إسرائيل مقابل دفع 1500 دولار لمرّة واحدة، بعدما رفضت إسرائيل تجديد تصريح العمل الخاصّ في إبريل 2018 لأسباب أمنيّة لا يعلمها.

قال نضال الذي يعيل أسرة مكوّنة من 7 أفراد لـ"المونيتور"، شرط عدم ذكر اسمه كاملاً: "إنّ آليّة التهريب تتمّ عبر اتّفاق بين العامل والمهرّب على الالتقاء عند إحدى ثغرات جدار الفصل العنصريّ، ثمّ يصطحب المهرّب العامل إلى إحدى المدن الإسرائيليّة عبر طرق التفافيّة تخلو من عناصر الأمن الإسرائيليّة".

وأضاف: "منذ منتصف يوليو 2018 وحتى الآن، وأنا أعمل في القرب من تلّ أبيب في مجال الزراعة، وأرسل المال إلى عائلتي، ولم أعد إلى بيتي في نابلس مطلقاً".

وكان الجيش الإسرائيليّ اعتقل في 26 آب/أغسطس الماضي 68 عاملاً فلسطينيّاً غير شرعيّ قرب حاجز ميتار في جنوب مدينة الخليل كانوا يحاولون اجتياز ثغرة في جدار الفصل للعمل داخل إسرائيل.

يقول أبو مراد، وهو مهرّب عربيّ يعيش في مدينة أمّ الفحم العربيّة في شمال إسرائيل، لـ"المونيتور" شرط عدم ذكر اسمه: "إنّ مئات العمّال الذين فشلوا في الحصول على تصاريح عمل داخل إسرائيل، يتواصلون يوميّاً مع عشرات المهرّبين من أجل الوصول إلى المدن الإسرائيليّة في شكل غير شرعيّ".

وأوضح أنّ المشغّلين الإسرائيليّين يرغبون في تشغيل عمّال غير شرعيّين، للتهرّب من دفع استحقاقاتهم القانونيّة، مثل دفع تعويضات الإصابة خلال العمل أو بدل التقاعد.

وكانت وزارة الأمن الداخلي الإسرائيلي حذرت نهاية ديسمبر 2015 المشغلين الإسرائيليين من تشغيل وتوفير مبيت لعمال فلسطينيين يدخلون إسرائيل بلا تصاريح، وهددت بمعاقبة المخالفين بإغلاق شركاتهم لمدة 30 يوماً في حال تم ضبط عمال بدون تصاريح، أو دفع غرامة تبلغ من 5- 226 ألف شيقلاً (1390 دولار- 62.7 ألف دولار)، أو التعرض لعقوبة السجن الفعلي لمدة تصل إلى 4 سنوات. رغم ذلك إلا أن حالة تشغيل العمال الفلسطينيين دون تصريح داخل إسرائيل لم تنتهي.

وبيّن أبو مراد أنّ ثمّة مستوطنين إسرائيليّين يعملون أيضاً في تهريب عمّال فلسطينيّين إلى داخل إسرائيل كوسيلة لتحقيق الكسب السهل للمال، مقابل مبلغ أكبر من المال هو ألفي دولار، وهذا الخيار مفضّل عند العمّال الفلسطينيّين، كون المستوطن يستطيع التنقّل بين الضفّة الغربيّة وإسرائيل عبر المسالك الرئيسيّة بحرّيّة أكبر وبلا تفتيش على الحواجز الإسرائيليّة، فيما يضطرّ المهرّب العربيّ إلى سلك مسالك التفافيّة من أجل تجنّب هذه الحواجز.

وبينما تمنح إسرائيل العامل الفلسطيني من الضفة الغربية تصريحاً للعمل داخلها باستثناء من يوجد سبب أمني لرفض منحه التصريح، تمتنع إسرائيل عن إصدار أي تصاريح عمل لسكان قطاع غزة بشكل كامل لمخاوف أمنيّة. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ العديد من عمّال غزّة نجحوا بدخول إسرائيل في شكل غير شرعيّ.

محمود فوزي (43 عاماً) هو عامل من مدينة غزّة، حصل في حزيران عام 2016 على تصريح لدخول إسرائيل لمدّة أسبوع كمرافق لشقيقته المريضة خلال رحلة علاجها في أحد مستشفيات إسرائيل. وعندما انتهت مدّة التصريح، عادت شقيقته وحيدة إلى غزّة، بينما اتّخذ هو طريقه إلى داخل المدن الإسرائيليّة للعمل في مجال البناء.

وقال فوزي لـ"المونيتور": "عملت داخل إسرائيل عاماً كاملاً (بين حزيران 2016 و حزيران 2017) من دون العودة إلى عائلتي، جنيت خلاله 14 ألف دولار. هذا مبلغ لن أستطيع جمعه لو عملت 10 أعوام بلا توقف في غزّة التي يندر فيها العثور على عمل أصلاً".

ولفت النظر إلى أنّه عندما قرّر العودة إلى غزّة في حزيران 2017 لاشتياقه إلى عائلته، تواصل مع أحد المزوّرين في إسرائيل لتزوير تصريح خاصّ بتجّار غزّة مقابل 1800 دولار، استطاع من خلاله العبور إلى غزّة عبر معبر إيرز الذي تشرف عليه إسرائيل من دون أيّ مشاكل. وأضاف فوزي أنه نادم على اتخاذ قرار العودة إلى غزة، إذ أنه عاطل عن العمل الآن بسبب قلة فرص العمل بغزة.

وبينما يكافح الفلسطينيّون البناء الاستيطانيّ الإسرائيليّ في الضفّة الغربيّة، ذكرت الإحصاءات التي نشرها الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ سابقة الذكر، أنّ هناك 20200 عامل فلسطينيّ يعملون داخل مستوطنات الضفّة الغربيّة.

ويقول الأمين العامّ للاتّحاد العام لنقابات عمّال فلسطين (مستقل) شاهر سعد لـ"المونيتور" إنّ العمل داخل المستوطنات هو أمر مرفوض فلسطينيّاً كونه يخالف التوجّهات الوطنيّة بالتخلّص من هذه المستوطنات، لا البناء فيها وإعمارها. لكنّه رأى أنّ العمّال الفلسطينيّين مضطرّون إلى ذلك بسبب تدنّي فرص العمل في الأراضي الفلسطينيّة.

وأوضح سعد أنّ السلطة الفلسطينيّة كانت أصدرت خلال عام 2010 قراراً بمنع عمل الفلسطينيّين داخل المستوطنات في الضفة الغربيّة، إلّا أنّ شيئاً من هذا لم يتغيّر بسبب عدم إيجاد بدائل لأولئك العمّال في السوق المحلّيّ.

ويقول أستاذ الاقتصاد في جامعة بيرزيت نصر عبد الكريم لـ"المونيتور": "إنّ عمل الفلسطينيّين في إسرائيل ومستوطناتها يعدّ منفذاً لهم للحصول على عمل في ظلّ انضمام نحو 55% من الخرّيجين الجامعيّين إلى طابور البطالة سنويّاً".

وأوضح أنّ حلّ تصدير العمالة الفلسطينيّة إلى إسرائيل يكون من خلال توفير فرص عمل في السوق المحلّيّ، ولكنّه رأى أنّ ذلك لن يحدث إلّا بالتخلّص من اتّفاقيّة باريس الاقتصاديّة في عام 1994، التي منحت إسرائيل القدرة على السيطرة على الاقتصاد الفلسطينيّ من خلال التحكّم بالواردات والصادرات، وجمع الضرائب الفلسطينيّة بالنيابة عن السلطة الفلسطينيّة، والتصرّف بها.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

رشا أبو جلال كاتبة وصحافية مستقلة من غزة مختصة بالأخبار السياسية والقضايا الإنسانية والاجتماعية المرتبطة بالأحداث الراهنة.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept