جمعيّات حقوقيّة تطالب البرلمان التونسيّ بتجريم التمييز العنصريّ

p
بقلم
بإختصار
رغم أنّ تونس تعدّ من أوّل البلدان التي ألغت العبوديّة في 23 كانون الثاني/يناير من عام 1846، ووقّعت الاتفاقيّة الدوليّة للقضاء على كلّ أشكال التمييز العنصريّ التي دخلت حيّز التنفيذ في 4 كانون الثاني/يناير من عام 1969، إلاّ أنّها ما زالت تسجّل التمييز العنصريّ ضدّ أصحاب البشرة السوداء والأفارقة من قبل السكّان المحليّين، وهو الأمر الذي دفع بجمعيّات حقوقيّة إلى مطالبة البرلمان التونسيّ بالتسريع في المصادقة على قانون يجرّم التمييز العنصريّ.

تونس — طالبت رئيسة الجمعيّة التونسيّة لمساندة الأقليّات (غير حكوميّة) الناشطة الحقوقيّة يمينة ثابت خلال مؤتمر صحافيّ الأربعاء في 29 آب/أغسطس من عام 2018، ونظّمته مع جمعيّة الإيفواريّين الناشطين في تونس مجلس نوّاب الشعب بتسريع المصادقة على مشروع قانون تجريم العنصريّة لوضع حدّ للاعتداءات المبنيّة على التمييز العنصريّ في تونس، إثر تعرّض 8 أشخاص من حاملي الجنسيّة الإيفواريّة المقيمين في تونس إلى اعتداء جسديّ ولفظيّ من قبل تونسيّين نهاية آب/أغسطس.

وكان المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والشبكة الأورومتوسطية و"اللجنة من أجل احترام الحريات وحقوق الإنسان، أول من بادر بطرح مقترح مشروع قانون لتجريم التمييز العنصري في تونس، وذلك خلال مؤتمر صحفي في مارس/اذار 2016، وعرض في يونيو 2016 على مختلف الكتل البرلمانية في مجلس نواب الشعب.

وندّدت الناشطة الحقوقيّة يمينة ثابت في تصريح خصّت به إذاعة "الموزاييك" الخاصّة بـ29 آب/أغسطس من عام 2018 بتكرّر عمليّات العنف اللفظيّ والجسديّ المبنيّ على التمييز العنصريّ في تونس ضدّ أصحاب البشرة السوداء، مؤكّدة أنّ انتشار الاعتداءات جاء بسبب عدم وجود قانون صارم يردع مرتكبي مثل هذه الجرائم ويحمي ضحاياها.

وأثارت حادثة الاعتداء بالعنف على إيفواريّين النقاش مجدّداً حول ظاهرة التمييز العنصريّ، ومخاوف الجمعيّات الحقوقيّة من تزايد معدّلات الانتهاكات ضدّ القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء (تضم تونس 60 الفا من المهاجرين الافارقة واكثر من 4000 طالب افريقي)، إذ تم الاعتداء على 3 كونغوليين في 25 كانون الأوّل /ديسمبر من عام 2016 لمحاولة ذبح من قبل شاب تونسيّ لم يعلن عن هويّته، الأمر الذي تسبّب لهما بجروح خطيرة على مستوى الرقبة، وهو ما أثار احتجاجات واسعة.

وأشارت ثابت في تصريح لـ"المونيتور" إلى أنّ لجنة الحقوق والحريّات والعلاقات الخارجيّة (لجنة برلمانية) قد صادقت على مشروع القانون المتعلّق بالقضاء على كلّ أشكال التمييز العنصريّ في 17 كانون الثاني/يناير من عام 2018، لكن لم يتمّ عرضه حتّى الآن على الجلسة العامّة في مجلس النوّاب لمناقشته، مشدّدة على أنّ المصادقة على هذا القانون أصبحت أمراً استعجاليّاً وضروريّاً، مشيرة في تصريح لـ"المونيتور" إلى أنّه لا بدّ من قانون صارم يتضمّن عقوبات على مرتكبي الاعتداءات العنصريّة، مؤكّدة أنّ القانون سيقلّص التجاوزات المرتكبة ضدّ الأفارقة في تونس. ويعاقب مرتكبو الجرائم ضد الأفارقة وفق نصوص قانونية للجرائم العادية والعنف، لا تحمل صبغة الجرائم العنصرية و لا تحمي المهاجرين من الاعتداءات والتمييز العنصري.

ويتضمّن مشروع قانون مناهضة التمييز العنصريّ، الذي صادق عليه مجلس الوزراء في 17 كانون الثاني/يناير من عام 2018، 11 فصلاً، واذا تم سنّه تصبح تونس البلد الثاني في إفريقيا، بعد إفريقيا الجنوبيّة، التي تسنّ قانوناً مناهضاً للتمييز العنصريّ.

ويعرف الفصل الثاني من مشروع قانون التمييز العنصريّ على أنّه "كلّ تفرقة أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أسـاس العـرق أو اللـون أو النسـب أو غيرها من أشكال التمييز العنصريّ كما هو محدد في المعاهدات الدوليّة المصادق عليها".

وتلتزم تونس بمقتضى نصّ هذا القانون بوضع السياسات العامّة والخطط الوطنيّة ومناهضة كلّ أشكال التمييز العنصريّ في كلّ القطاعات وتقترح برامج توعية وتكوين. كما تضمن كلّ تكفّل نفسيّ واجتماعيّ للضحايا.

وبحسب الفصل الثامن، يتعرّض مرتكب المخالفة أو الجريمة للسجن لمدّة تتراوح من شهر إلى 3 سنوات. كما تتراوح الغرامة من 500 دينار أيّ ما يعادل الـ185 دولاراً أميركيّاً إلى حدود 3 آلاف دينار (1110 دولارات أميركيّة)، ويمكن تغريم المؤسّسات والجمعيّات التي ترتكب هذه الجرائم بغرامة تتراوح بين 5 آلاف دينار (1850 دولاراً أميركيّاً) و15 ألف دينار (3330 دولاراً أميركيّاً).

وينصّ الدستور التونسيّ في الفصل 21 من باب الحقوق والحريّات، على نبذ أيّ تمييز على أساس لون البشرة، ويؤكّد أنّ "المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز".

وتسعى جمعيّات عدّة غير حكوميّة كانت قد تأسّست عقب ثورة 14 كانون الثاني/يناير من عام 2011 في تونس، وأهمّها: جمعيّة "منامتي" وجمعيّة "آدم للمساواة والتنمية" و"الجمعيّة التونسيّة لمساندة الأقليّات"، إلى دفع البرلمان للمصادقة على مشروع قانون يجرّم التمييز العنصريّ في تونس. من خلال تكثيف اللقاءات والمشاورات مع الأحزاب الداعمة لمشروع القانون والحملات التحسيسية بالتعاون مع مختلف مكونات المجتمع المدني وعبر تنظيم المسيرات الاحتجاجية.

وفي هذا السياق، لفت المنسّق العام لجمعيّة "منامتي" (غير حكوميّة) والناشط في مجال محاربة العنصريّة زياد روين في تصريح لـ"المونيتور" إلى أنّ "ظاهرة التمييز العنصريّ متفشيّة على نطاق واسع بين التونسيّين، مشيراً إلى أنّ طلاّب إفريقيا هم الفئات الأكثر استهدافاً بظاهرة التمييز في تونس، ويتعرّضون لأنواع عدّة من المضايقات.

وقال: "إنّ خطابات الكراهيّة والألفاظ العنصريّة لم تعد مقبولة ضدّ أصحاب البشرة السوداء، وخصوصاً الأفارقة".

ورأى أنّ ظاهرة العنصريّة في صدد التفشّي خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يعتبر مؤشّراً خطيراً.

من جهته، قال المدير العام في وزارة العلاقة والهيئات الدستوريّة والمجتمع المدنيّ وحقوق الإنسان الحكوميّة محمّد علي الخالدي في تصريح خصّ به المونيتور: من العيب أن نسجّل في تونس اليوم تمييزاً بين مواطن وآخر على أساس اللون أو العرق أو الدين. والحال، إنّ دستورها يكرّس الحقوق والحريّات والمساواة بين الجميع.

وأشار في تصريح لـ"المونيتور" إلى أنّ التمييز العنصريّ في تونس يبقى مسألة وعي يجب مقاومته بالتربية الأسريّة والمدرسيّة، وقال: "رغم المساواة النظريّة التي يتمتّع بها المواطنون التونسيّون، السود والبيض، أمام القانون وأمام الفرص الاقتصاديّة والاجتماعيّة أيضاً، فإنّ الوعي السائد اجتماعيّاً ما زال ينظر إلى الفرد الأسود كمواطن من الدرجة الثانية".

وأكّد المتخصّص في علم الاجتماع عبد الستّار السحباني في تصريح لـ"المونيتور" وجود ظاهرة التمييز العنصريّ في تونس، موضحاً أنّ أصحاب البشرة السوداء يمثّلون نسبة 15 في المئة من نسبة السكّان التونسيّين، موضحاً في تصريح لـ"المونيتور" أنّ من أبرز مظاهر التمييز العنصريّ، أنّ أصحاب البشرة السوداء لا يتقلّدون مراتب ومناصب في المؤسّسات التونسيّة، وتعتبر النائبة عن حركة النهضة منجية كسكسى النائبة الوحيدة من ذوي البشرة السوداء، ملاحظاً غيابهم الكليّ عن كلّ الوزارات.

ويتمنّى الحقوقيّون في تونس أن يصادق البرلمان التونسيّ على قانون يجرّم التمييز العنصريّ نهاية هذه السنة قبل 21 آذار/مارس من عام 2019، الذي يصادف اليوم العالميّ لمناهضة التمييز العنصريّ، من أجل وضع حدّ للاعتداءات ضدّ أصحاب البشرة السوداء في تونس، التي قامت بإلغاء الرق وعتق العبيد سنة 1846 بمجرد نص قانوني، قبل فرنسا التي ألغته نهائيّاً سنة 1848 وقبل الولايات المتّحدة الأميركيّة حيث تطلّب إلغاؤه حرباً أهليّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : violence, tunisian society, tunisian politics, racism, minority rights, minorities, discrimination

Mohamed Ali Ltifi is a Tunisian journalist who has worked with several local and international newspapers, including the London-based Arabic-language Al-Arabi al-Jadeed and Arab Reporters for Investigative Journalism.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept