نبض مصر

القاهرة تقترب من موسكو... فهل يكون على حساب واشنطن؟

p
بقلم
بإختصار
تشهد العلاقات المصريّة - الروسيّة تقارباً غير مسبوق، إذ تعتبر القاهرة ثاني أكبر دولة مشترية للسلاح من روسيا. كما أنّ حجم التبادل التجاريّ بين البلدين بلغت قيمته 6.5 مليار دولار سنويّاً، إضافة إلى توافق في الرؤى الديبلوماسيّة بين البلدين إزاء العديد من الملفّات الإقليميّة في الشرق الأوسط، بينما يسير منحنى العلاقات المصريّة - الأميركيّة بشكل بطيء.

القاهرة - أشار السفير الروسيّ في مصر سيرغي كيربيتشينكو إلى أنّ روسيا ومصر تمتلكان أوراقاً سياسيّة مهمّة، مؤكّداً خلال مؤتمر صحافيّ في 23 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2018 أنّ موسكو والقاهرة مصمّمتان على المضي قدماً في التعاون الثنائيّ في كلّ المجالات، ومن دون استثناء.

يأتي هذا بعد زيارة الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي لروسيا في 17 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2018، وقّع خلالها اتفاقيّة الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجيّ بين البلدين. وشهدت القمّة الثنائيّة بين عبد الفتّاح السيسي والرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين البحث في عدد من الملفّات الإقليميّة، وكذلك التعاون الاقتصاديّ والعسكريّ بين الجانبين.

ولفت السيسي إلى أنّه ناقش مع فلاديمير بوتين القضيّة الفلسطينيّة، وكان هناك تقارب كبير في مواقف مصر وروسيا إزاء عمليّة السلام الفلسطينيّة – الإسرائيليّة، واتفقا على حل عادل وشامل بحل الدولتين، وفقا لحدود عام 1967، وعاصمته القدس.

وقال: "اتّفقنا على أهميّة مواصلة التنسيق بين مصر وروسيا بشأن سوريا ودعم الحلّ السياسيّ لأزمتها". وتنسق موسكو والقاهرة بشكل متواصل آخر التطورات على الأراضي السورية، من خلال اعلان المواقف، وتكثيف الجهود لتشكيل لجنة دستورية، وكانت مصر قد استضافت عدد من اللقاءات بين الخصوم السياسيين في سوريا، وكذلك توصلت الخارجية المصرية لعدة هدنات بين قوات النظام وروسيا من جهة والمعارضة المسلحة من جهة أخرى، وأعلن بوتين خلال المؤتمر الصحفي أنه أطلع نظيره المصري على الاتفاق الذي جرى بين موسكو وأنقرة بخصوص إدلب.

من جهته، رأى عضو المجلس المصريّ للشؤون الخارجيّة السفير رخا حسن أنّ العلاقات المصريّة - الروسيّة في نموّ متصاعد، مدلّلاً على ذلك بحجم الاستثمارات المتنامي بين البلدين، لافتاً إلى أنّ "روسيا ستمتلك المنطقة الاقتصاديّة الأولى في الشرق الأوسط على الأراضي المصريّة"، ومتوقع أن يكون حجم الاستثمارات فيها نحو 6.9 مليار دولار على أن توفر ما لا يقل عن 35 ألف فرصة عمل.

 وقال في حديث هاتفيّ مع "المونيتور": إنّ مشروع المحطّة النوويّة سيربط مصر بروسيا خلال الـ25 سنة المقبلة، حيث من المتوقّع أن يتمّ إنشاؤه على مدار 10 سنوات، و10 أخرى يعود حقّ الإدارة فيها لروسيا، التي استطاعت أن تفوز بالمشروع بدل أن تفوز به كوريا الجنوبيّة، وهو ما أثار تحفّظ واشنطن، وتبلغ تكلفة المشروع الإجمالية نحو 45 مليار دولار، من بينهم 25 مليار قرض روسي، بقدرة إجمالية تصل إلى نحو 4800 ميجاوات،

وأشار رخا حسن إلى أنّه رغم استراتيجيّة تعني أهمية العلاقات المصريّة - الأميركيّة، إلاّ أنّ منحنى العلاقات بين الجانبين يسير ببطء شديد، وقال: "إنّها المرّة الثالثة التي يزور فيها وفد أميركيّ اقتصاديّ مصر منذ عام 2014 من دون البدء أو الاتفاق على استثمارات فعّالة".

وزار وفد من ممثّلي الشركات الأميركيّة وأعضاء مجلس الأعمال المصريّ- الأميركيّ والغرفة التجاريّة الأميركيّة في القاهرة مصر بـ24 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2018، التقوا خلالها السيسي.

ولفت حسن إلى أنّ رهان السيسي على الإدارة الأميركيّة بقيادة الرئيس دونالد ترامب ربّما كان خاطئاً، مشيراً إلى أنّ دونالد ترامب وعد السيسي أكثر من مرّة بزيارة القاهرة ولم يفعل ولا أظنّه يفعل على الأقلّ في دورته الرئاسيّة الأولى.

ويبدو على نطاق واسع أن الرئيس الأمريكي قد يجد حرجا في زيارة مصر في دورته الرئاسية الأولى والتي توصف بأنها دولة استبدادية بحسب مؤشر الديمقراطية، ووفقًا للقانون الأمريكي، تلتزم حكومة الولايات المتحدة بوقف 15٪، أو ما يعادل 195 مليون دولار، من المعونة العسكرية الأمريكية لمصر للعام المالي 2016، والتي تبلغ 1.3 مليار دولار، إذا لم تحرز الحكومة المصرية تقدمًا في سجل حقوق الإنسان والديمقراطية الخاصة بها. وبدأ اتباع ذلك الشرط بداية من عام 2012، حيث يحدد الكونجرس الأمريكي عددًا من الاشتراطات يجب الوفاء بها قبل تسليم تلك النسبة.

وأشار حسن إلى أنّ ثمّة فتوراً في العلاقات المصريّة - الأميركيّة في الوقت الراهن، وقال: حتّى الآن، أميركا ليس لديها سفير في القاهرة منذ تمّوز/يوليو من عام 2017، وكان السفير الأميركيّ روبرت ستيفن بيكروفت لدى مصر قد أنهى خدمته في عام 2017 وغادر القاهرة. ومنذ ذلك الوقت، لم تعيّن واشنطن سفيراً جديداً في مصر. ولم تعلن واشنطن عن أسبابها.

وعلى الصعيد السياسيّ، رأى حسن أنّ الرؤية المصريّة تتطابق مع الرؤية الروسيّة في الملفّات الإقليميّة، لا سيّما الأزمة السوريّة، وكذلك القضيّة الفلسطينيّة، على عكس البوصلة الديبلوماسيّة الأميركيّة التي تختلف في رؤيتها مع مصر، إزاء الملفّين.

وفي الشأن السوري ترفض مصر عزل بشار الأسد، وتعرية أومنع تسليح القوات النظامية في سوريا، لإن ذلك قد يساهم في مزيد من الفوضى في الشرق الأوسط، بينما ترى أمريكا أن بشار لا يمكن أن يكون له دور في المرحلة المقبلة.

بدوره، اعتبر رئيس وحدة الدراسات الإسرائيليّة في المركز القوميّ لدراسات الشرق الأوسط طارق فهمي أنّ الملف الفلسطينيّ بات محلّ تباين وجذب بين القاهرة وواشنطن، منذ إعلان ترامب نقل سفارة بلاده إلى القدس في كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2017 ، وهو الأمر الذي تعترض القاهرة عليه.

ولفت طارق فهمي في اتّصال هاتفيّ مع "المونيتور" إلى أنّ "الرئيس السيسي كان متحمّساً للتعاون مع إدارة ترامب في السابق، في ما يخصّ القضيّة الفلسطينيّة. أمّا الآن فيبدو أنّ صفقة القرن لن يتمّ تمريرها"، موضحاً أنّ مصر تحفّظت على البنود الأميركيّة لـ"صفقة القرن"، معتبراً أنّ السيسي لن يستطيع مجاراة الولايات المتّحدة في ما يخصّ فلسطين.

وأشار إلى أنّ الموقف المصريّ إزاء فلسطين أقرب إلى الموقف الروسيّ من الأميركيّ، وقال في الوقت نفسه: إنّ ذلك لا يعني انتقالنا إلى المعسكر الروسيّ.

أضاف: "الديبلوماسيّة المصريّة تؤدّي دوراً محوريّاً داخل الإقليم العربيّ، ولكن أمام القوى العالميّة فإنّ السيسي يقود مناورة سياسيّة، إذ ينطلق في الملف السوريّ تحت مظلّة الروس، بينما في الملف الفلسطينيّ تحت مظلّة الأميركيّين"، لإن الملف الفلسطيني روسيا ليست فعاله فيه، والتحركات في هذا الملف تتم عن طريق أمريكا الحليفة لإسرائيل، وبالتالي مصر مضطرة للتعامل مع واشنطن في هذا الملف تاريخيا، بينما في الشأن السوري، فروسيا هي الفاعلة والدولة المحورية في هذا الملف.

وكان معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى نشر ورقة تحليليّة بعنوان "خطاب السيسي المعادي لإسرائيل" في 17 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2018، أوصى فيها إدارة ترامب بتوجيه رسائل إلى مصر للتخفيف من حدّة خطاب القيادة السياسيّة في مصر ضدّ إسرائيل، معتبراً أنّ التصريحات المصريّة لن تساعد الإدارة الأميركيّة على الترويج لخطّة سلام بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين.

ورأى المعهد أنّ القاهرة هي مكوّن أساسيّ في أيّ عمليّة سلام فلسطينيّة مستقبليّة.

من جهته، أشار عضو لجنة العلاقات الخارجيّة في مجلس النوّاب وزير الخارجيّة الأسبق محمّد العرابي إلى أنّ في العصر الحديث تستطيع الدول إقامة علاقات متوازنة مع القوى العالميّة، وقال: "إنّ السيسي يعمل بمهارة ديبلوماسيّة، فهو يفصل بين الملفّات التي يختلف فيها مع واشنطن مثل الملفّين السوريّ والليبيّ، ويحاول كسب مساحات للتوافق في ملفّات مثل فلسطين". والخلاف مع أمريكا بشأن الملف لا يعني بالضرورة أن تجمد القاهرة وواشنطن العلاقات بينهما.

واعتبر محمّد العرابي أنّ العلاقات المصريّة - الأميركيّة ليست مستقرّة ودائمة الصعود والهبوط، عازياً التقارب المصريّ - الروسيّ لعدم قدرة القاهرة على المراهنة بشكل كامل على واشنطن، التي لم تقدّم إلى مصر شيئاً في المرحلة الأخيرة.

وبسؤاله عمّا إذا كانت هناك إمكانيّة للتقارب بين وجهتيّ النظر الأميركيّة والمصريّة، قال العرابي: "إنّ وجهة النظر المصريّة ثابتة منذ عام 2013 في ما يخصّ الملف الفلسطينيّ والملف السوريّ، وأعتقد أنّه بات من الصعب تغييرها".

يذكر أنّ السيسي التقى بوتين 9 مرّات خلال الـ5 سنوات الماضية، ويعزّز على نحو مطّرد علاقته مع روسيا، وهو الأمر الذي ترحّب به الأخيرة، وهما قاما بإحياء التحالف التاريخيّ بين مصر والاتحاد السوفياتي، الذي كان قائماً في السبعينيّات.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : us-egyptian relations, power station, suez canal, military, egyptian economy, abdel fattah al-sisi, vladimir putin, egypt-russia ties

البراء عبدالله صحفي مصري و كان محرر بقناة ONTV الإخبارية. فيسبوك: البراء عبدالله تويتر: @AlbraaAbdullah

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept