نبض مصر

مصر: مشاريع تحقّق أرقاماً قياسيّة وديون خارجيّة قياسيّة!

p
بقلم
بإختصار
رغم إشادة العديد من الخبراء الاقتصاديّين بمشاريع مصر التنمويّة الكبرى، التي تحقّق من خلالها أرقاماً قياسيّة في إنتاج الكهرباء والزراعة والنقل والطاقة، إلاّ أنّ جانباً آخر ما زال يحذّر من مثل تلك المشاريع لأنّ مصر اعتمدت في تنفيذها على القروض والديون.

القاهرة — وافقت الجمعية العامة لمجلس النوّاب المصريّ، المنعقدة في 9 كانون الأوّل/ديسمبر بشكل مبدئي على اتفاقيّة تمنح مصر قرضاً كويتيّاً قدره 50 مليون دينار كويتيّ (حوالى 3 مليارات جنيه مصريّ و164 مليون دولار)، لتنفيذ مشروع إنشاء منظومة مياه مصرف بحر البقر، وهي الاتفاقيّة الموقّعة بين حكومة جمهوريّة مصر العربيّة والصندوق الكويتيّ للتنمية الاقتصاديّة العربيّة في تمّوز/يوليو من عام 2018. وكانت اللجنة البرلمانيّة المختصّة بدراسة الاتفاقيّة وتقديم تقرير إلى أعضاء مجلس النوّاب عنها قد أوصت في تقريرها الصادر بـ3 كانون الأوّل/ديسمبر، بقبول طلب الرئيس عبد الفتّاح السيسي بقبول الاتفاقيّة.

وقرر علي عبد العال، رئيس مجلس النواب، إحالة الاتفاقية والتقرير المعد بواسطة اللجنة البرلمانية المختصة إلى اللجان الفرعية لمجلس النواب لمناقشتها مناقشة أخيرة تمهيدا للتصويت النهائي عليها في الجمعية العامة المتوقع انعقادها قبل نهاية العام.

وللإشارة، فإنّ مشروع منظومة مياه مصرف بحر البقر يقوم على تأسيس محطّة تحلية ضخمة لمياه الصرف الصحيّ تعمل على تحلية 5 مليون متر مكعّب من مياه الصرف يوميّاً، وتكفي تلك الكميّة لزراعة 250 ألف فدّان في صحراء سيناء. ومن المتوقّع أن تكون محطّة التحلية الأضخم في الشرق الأوسط، إذ أنّها ستتفوّق على محطّة "رأس الخير" السعوديّة، التي تنتج حوالى مليون متر مكعّب من المياه المحلاّة يوميّاً.

وليس مشروع بحر البقر وحده الذي تعتزم مصر دخول عالم الأرقام القياسيّة من خلاله، بل أعلنت الهيئة الهندسيّة للقوّات المسلّحة، في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2018، نيّتها افتتاح طريق "النفق – شرم الشيخ"، الذي يربط القاهرة بشرم الشيخ، في كانون الأوّل/ديسمبر الحاليّ، وهو يعتبر النفق الأطول في العالم، إذ يبلغ طوله 342 كيلومتراً. وبذلك، يتفوّق على نفق "جي بي تي" السويسريّ، الذي يبلغ طوله 57 كيلومتراً.

ولكن رغم إعلان الهيئة الهندسيّة للقوّات المسلّحة اقترابها من الانتهاء من مشروع طريق النفق، إلاّ أنّ عبد الفتاح السيسي أصدر قراراً، في 22 تشرين الثاني/نوفمبر، بالموافقة على اتفاقيّة تمنح مصر قرضاً كويتيّاً آخر قدره 60 مليون دينار كويتيّ (حوالى 3.5 مليار جنيه مصريّ و197 مليون دولار) لاستكمال الطريق، وذلك بعد أن وافق مجلس النوّاب على تلك الاتفاقيّة، في حزيران/يونيو من عام 2018.

ويبدو أنّ اتّجاه الدولة المصريّة إلى تنفيذ مشاريع تقتحم عالم الأرقام القياسيّة في المنطقة العربيّة أو الشرق الأوسط أو ربّما العالم، جاء مصحوباً في كلّ تلك المشاريع بقروض عدّة بملايين أو ربمّا بمليارات الدولارات، فعلى سبيل المثال حصلت مصر على قرض بـ460 مليون دولار من اليابان في عام 2016 لتأسيس المتحف المصريّ الكبير، أكبر متحف للآثار في العالم. كما حصلت على قروض عدّة بقيمة ملياريّ و50 مليون يورو من بنوك ألمانيّة وإيطاليّة لتأسيس محطّة كهرباء غياضة ببني سويف، واعتبرتها شركة "سيمنز" المنفّذة للمشروع أنّها ستكون الأكبر في العالم. كما حصلت مصر في آذار/مارس من عام 2018 على قرض بقيمة 3 مليارات دولار من الصين لتأسيس 20 ناطحة سحاب في العاصمة الإداريّة الجديدة، من بينها أطول برج في إفريقيا. وفي شباط/فبراير من عام 2018، على قرض بقيمة 500 مليون دولار لتأسيس أكبر معمل في الشرق الأوسط لتكرير البترول في منطقة مسطرد.

فهل يستحقّ دخول مصر، وبقوّة إلى عالم الأرقام القياسيّة، هذا الكمّ من الاستدانة، رغم أنّ ديونها وصلت إلى مستوى قياسيّ أيضاً، حيث بلغت 83 مليار دولار بنهاية أيّار/مايو من عام 2018؟!

وإذ لفت الخبير الاقتصاديّ والمستشار الماليّ لعدد من الكيانات الاستثماريّة وائل النحّاس في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ مصر في طريقها إلى إنجاز العديد من المشاريع الضخمة، مشيداً بمشاريع توليد الطاقة الكهربائيّة وتحلية المياه وتكرير البترول، قال: كان على مصر التأنّي في اتّخاذ العديد من القرارات الخاصّة بالاستدانة والقروض لأنّها أدّت إلى رفع ديونها الخارجيّة إلى مستوى غير آمن، ربّما تعجز معه عن السداد.

أضاف: كان على الدولة الاستدانة في أضيق الحدود وتأسيس المشاريع التنمويّة الكبرى التي تحقّق الأرقام القياسيّة في مدى زمنيّ أوسع من دون استدانة لأنّ الاستدانة دفعت الدولة إلى خفض الدعم على المنتجات الأساسيّة وزيادة الضرائب لتتمكّن من سداد أقساط الديون.

وتابع: حتّى تلك الإجراءات، ربّما لا تكون كافية مستقبلاً لسداد الديون. وكان من الأفضل توجيه الإنفاق إلى مجالات الصناعة التي تمكّن مصر من التصدير أو إنعاش السياحة التي تضخّ لها العملة الصعبة.

من جهته، لفت خبير اقتصاديّ، فضّل عدم ذكر اسمه، في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ القيادة السياسيّة الحاليّة لمصر تعمّدت التوسّع في الاستدانة لتنفيذ مشاريع كبرى، ليس لأيّ سبب، غير رفع اسم السيسي وربطه لدى المواطن بمشاريع ضخمة، وقال: إنّ مصر حقّقت منذ عام 2014 اكتفاء ذاتيّاً من إنتاج محطّات الكهرباء، وليست في حاجة إلى محطّات أضخم، وإنّ فرص مصر في تصدير الكهرباء من خلال تلك المحطّة إلى دول الشرق الأوسط أو إفريقيا ستظلّ محدودة بالنّسبة إلى قدرة إثيوبيا على تصدير الكهرباء بعد إنجاز مشروع سدّ النهضة أو بالنّسبة إلى إسرائيل التي تملك احتياطات ضخمة من الغاز الطبيعيّ لتشغيل محطّات الكهرباء.

وأشار إلى أنّ مصر تعاني من تدهور في البنية التحتيّة، إلاّ أنّها لم تكن في حاجة ملحّة إلى شبكات شديدة التقدّم من الطرق أو إلى أبراج العاصمة الإداريّة الجديدة أو المتحف المصريّ الكبير، مؤكّداً أنّها مجرّد مشاريع دعائيّة لصالح السيسي ولصالح دول ترغب في الاستثمار عن طريق إقراض مصر، ثمّ استرداد قروضها بأرباحها أيّ فوائدها.

واختلف مع الخبيرين السابقين في الرأي، رئيس منتدى الدراسات الاقتصاديّة رشاد عبده، إذ قال لـ"المونيتور": إنّ الاقتراض وضع الدولة والمواطن تحت ضغط، إلاّ أنّه ضغط متوقّع وطبيعيّ في مراحل إعادة تأسيس أو إصلاح أيّ اقتصاد.

وأشار إلى أنّ مصر ستجني ثماراً ضخمة من تلك المشاريع التي تحقّق الأرقام القياسيّة، خصوصاً بعد سداد الديون، وإنّ تلك المشاريع ستنعكس بشكل ملحوظ على تنمية السياحة والزراعة والطاقة والصناعة.

واتّفق معه في الرأي، الخبير الاقتصاديّ خالد الشافعي، إذ قال لـ"المونيتور": إنّ المشاريع ستنعكس على اقتصاد مصر إيجابيّاً بشكل سريع.

ولفت إلى أنّ الديون ليست في مستوى مقلق، رغم ضخامة إجماليّها، مؤكّداً أنّ القيادات الاقتصاديّة لمصر أصبحت حريصة على تقليص مستحقّات الديون سنويّاً إلى مستويات آمنة، رغم ضخامة إجماليّ الديون.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

ديفيد عوض صحفي مصري بدأ حياته العملية كمتدرب في الأهرام الاقتصادي ثم انتقل ليكون معدا في راديو مباشر الاقتصادي، مهتم بقضايا الاقتصاد والإعلام والفنون.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept