نبض فلسطين

أزمة "حماس" الماليّة تهدّد مؤسّساتها الإعلاميّة

p
بقلم
بإختصار
أعلنت فضائيّة "الأقصى" التابعة لـ"حماس" وقف بثّها بسبب أزمتها الماليّة وتراكم ديونها، لكنّها عادت إلى مواصلة بثّها بعد سدادها جزءاً من ديونها، تزامناً مع استمرار الأزمة الماليّة الخانقة لقناة "القدس"، التي تبثّ من بيروت، فيما أغلقت فضائيّة "الكتاب" أبوابها في عام 2017 لعدم قدرتها على توفير تكاليف تشغيلها... السطور الآتية تحاول التعرّف على معالم الأزمة الماليّة لمؤسّسات "حماس" الإعلاميّة وأسبابها، وكيف تسمح "حماس" بإغلاق منابرها التلفزيونيّة بسبب هذه الأزمة؟ وما هي جهودها لوقف هذا النزيف الحاصل في مؤسّساتها الإعلاميّة؟

ما زالت الأزمة الماليّة التي تعيشها "حماس" منذ عام 2015 متواصلة حتّى اليوم لأسباب عدّة، كتراجع الدعم الإيرانيّ منذ عام 2012، وإغلاق مصر للأنفاق بين غزّة وسيناء منذ عام 2013، وتقلّص التبرّعات الماليّة من الخارج، بسبب ملاحقتها من الولايات المتّحدة الأميركيّة وإسرائيل وبعض الدول العربيّة، بسبب اتهامهم بتمويل الإرهاب. لقد تجلّت مظاهر أزمة "حماس" الماليّة الأخيرة بإعلان فضائيّة "الأقصى" التابعة لها في 19 كانون الأوّل/ديسمبر، للمرّة الأولى منذ إنشائها خلال عام 2006، توقّف بثّها لأسباب ماليّة، الأمر الذي تسبّب بصدور ردود فعل فلسطينيّة متعاطفة ومستهجنة.

علم "المونيتور" من أوساط نافذة في "حماس"، أنّ اتصالات عالية المستوى أجراها كبار قادتها، على رأسهم زعيم "حماس" السابق خالد مشعل، أسفرت عن إعلان رئيس المكتب السياسيّ لـ"حماس" إسماعيل هنيّة، في 20 كانون الأوّل/ديسمبر، أنّ قناة "الأقصى" لن توقف بثّها، وستواصل العمل، وبالفعل عادت قناة الأقصى للبث التلفزيوني كما يظهر موقعها الالكتروني بعد حل جزئي لأزمتها المالية، وسداد ديونها العاجلة المقدرة بـ220 ألف دولار.

تبث فضائية الأقصى من قطاع غزة، ولها بعض المكاتب لمراسليها في الأردن ولبنان، ومكتبها مغلق في الضفة الغربية بسبب الانقسام الفلسطيني، ومنع السلطة الفلسطينية لها من العمل هناك.

أعلن نائب رئيس الدائرة السياسيّة لـ"حماس" عصام الدعاليس بحسابه على تويتر، في 19 كانون الأوّل/ديسمبر، أنّه يجب ألاّ تغيب صورة الفضائيّة، ولا يسكت صوتها، رغم أزمتها الماليّة.

واعتبر رئيس مكتب الإعلام الحكوميّ في غزّة سلامة معروف بصفحته على الفيسبوك بـ20 كانون الأوّل/ديسمبر أنّ ما فشلت في تحقيقه إسرائيل لإسكات الفضائيّة بقصفها في 12 تشرين الثاني/نوفمبر بتصعيدها مع "حماس"، سيحدث بفعل الأزمة الماليّة.

وقال الإعلاميّ علاء الريماوي مدير مكتب فضائية القدس بالضفّة الغربيّة، المقيم هناك، قبل أن تمنعها إسرائيل من العمل هناك في يوليو بزعم تبعيتها لحماس، بصفحته على الفيسبوك في 20 كانون الأوّل/ديسمبر: إنّ وقف قناة الأقصى قرار غير موفّق، لأنّها لم تعد تتبع لحماس فقط، بل تمثّل نهجاً سياسيّاً، الأمر الذي يتطلّب من أصحاب القرار إبقاءها تعمل.

من جهته، قال مدير عام قناة "الأقصى" وسام عفيفة لـ"المونيتور": "إنّ أهمّ مظاهر الأزمة المالية للفضائية هي الديون المتراكمة منذ الفترة الماضية وقيمتها ٢٢٠ ألف دولار، وهي تخصّ الجوانب التشغيليّة ومستحقّات البثّ الفضائيّ، وتلقّي موظّفينا الـ200 منذ عام ٥٠ في المئة‏ من رواتبهم. ربّما كان التعاطي مع الأزمة بطيئاً من قبل إدارة القناة، لكنّنا لم نتوقّع وصول الأزمة إلى هذا المستوى الصادم. صحيح تمّ تسديد ديون البثّ لصالح القمر الصناعي نورسات بقيمة 220 ألف دولار، وتم حل الأزمة جزئياً، وأعدنا البث التلفزيوني، لكننا مقبلون على سنة جديدة، ومطلوب منّا دفع أموال مسبقة لإبرام تعاقدات البث، وبالتي ستظهر الأزمة مجددا في الأسابيع القادمة".

تحصل فضائية الأقصى على تمويلها من موازنة حماس المالية بصورة أساسية، بجانب تبرعات من أنصار حماس في الخارج كرجال الأعمال والتجار، الذين يقدمون لها أموالا بين حين وآخر، لا يكشف عن هويتها أو حجم تمويلها، خشية ملاحقتها من إسرائيل والولايات المتحدة بتهمة تمويل الإرهاب، كما أن فضائية الأقصى لا تبث إعلانات تجارية، ولا تجبي من المشاهدين رسوم اشتراك لمشاهدتها، مما يجعل تأثرها بأزمة حماس المالية مباشرا وواضحا.

الأزمة المالية لقناة "الأقصى" طرحت أسئلة حادّة: هل إنّ "حماس" تعاني إلى هذا الحدّ من ضائقة ماليّة خانقة تجعلها عاجزة عن توفير 200 ألف دولار أم أنّ مشكلتها بتوزيع مواردها الماليّة على قلّتها، وعدم إعطائها الإعلام النصيب المستحقّ، مع أنّ خسائر الفضائيّة من القصف الإسرائيليّ لمقرّها بلغت 4.5 مليون دولار، صحيح أن الفضائية تم إعادة بثها مجددا، لكنها ما زالت بدون مقر رئيسي، وليس لديها المال الكافي لإعادة بناء مقر جديد، حيث تبث من بعض الأماكن المؤقتة في غزة.

وقال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة "الأمّة" بغزّة والخبير في شؤون "حماس" حسام الدجني لـ"المونيتور": "منذ إعلان فضائيّة الأقصى عن أزمتها الماليّة بعد قصف مقرها من قبل إسرائيل، وصلتها تبرّعات ماليّة من داخل فلسطين وخارجها، من دون تحديد حجمها، جعلتها تحلّ مشكلتها جزئيّاً، وحتى الآن المشكلة لم تحل نهائياً ".

ما زالت الأزمة المالية لفضائية الأقصى مزدوجة، الأولى عاجلة 200 ألف دولار لتجديد البث الفضائي، تم تسديدها بصورة عاجلة حتى تبقى تبث على شاشة التلفزيون، وهناك مبلغ مماثل يفترض أن تسدده الفضائية في الأسابيع القادمة، كي تواصل بثها خلال العام الجديد 2019، وهو غير متوفر حتى الآن لديها، والثانية تقدر بأربعة ملايين دولار وهي تكاليف إعادة بناء مقر جديد بعد الذي قصفته إسرائيل في نوفمبر، ولم تدبر الفضائية منه شيئا حتى الآن.

لقد تزامنت الأزمة الماليّة لفضائيّة "الأقصى"، مع أزمة مستمرّة منذ عامين مع فضائيّة "القدس" المقرّبة من "حماس"، والتي تبثّ من بيروت وسرّحت في الأشهر الأخيرة العشرات من موظّفيها ممّن لم يتلقّوا مستحقّاتهم الماليّة منذ عام وأكثر، أو تلقّوها بشكل متقطّع.

وفي هذا الإطار، قال مسؤول في فضائيّة "القدس"، أخفى هويّته، لـ"المونيتور": "إنّ أزمة فضائيّة القدس ليست منفصلة عن ضائقة حماس، نحن مدينون بملايين الدولارات من الرواتب والنفقات التشغيلية، ولم نستبدل معدّاتنا المتهالكة، وليست لدينا موازنات تشغيليّة. هذه الأزمة تطلّبت من إدارة قناة القدس مبكراً تنفيذ عمليّات جراحيّة للأزمة، كتسريح بعض الموظّفين لتخفيف الرواتب ومعالجة سوء الإدارة، وترشيد الاستهلاك".

ربّما لم تتوقّع "حماس" أن يترافق توسّعها الإعلاميّ مع حصار ماليّ عليها، أخذ أشكاله بوقف تمويلها النقديّ منذ 2013 حين توقف التمويل الإيراني عن حماس، وامتناع الشركات الفلسطينيّة عن بثّ إعلاناتها التجاريّة على شاشات فضائيّاتها: الأقصى والقدس، لحرمانها من عوائدها الماليّة، خشية أن يتم اتهام هذه الشركات من السلطة الفلسطينية وإسرائيل بدعم مؤسسات حماس الإعلامية، وبالتالي تخاف أن تقع تحت طائلة دعم "الإرهاب".

بدوره، قال رئيس المكتب الإعلاميّ لـ"حماس" في الخارج، المقيم بلبنان، رأفت مرّة لـ"المونيتور": "إنّ حماس توزّع أموالها على مؤسّساتها الإعلاميّة لضمان استمراريّتها، لكنّنا نعيش أزمة ماليّة منذ سنوات، والضائقة التي تواجهها مؤسّساتنا الإعلاميّة هي انعكاس لواقع الحركة الصعب. لا يوجد قرار من حماس بإغلاق أيّ مؤسّسة إعلاميّة".

كان لافتاً أن تعلن فضائيّة "الأقصى" وقف بثّها، بعد يوم من إعلان استطلاع أجراه "المركز الفلسطينيّ للبحوث السياسيّة والمسحيّة" في 19 كانون الأوّل/ديسمبر، أنّها تحتلّ المرتبة الأولى بين القنوات الفلسطينيّة الأكثر مشاهدة، فجاءت نسبة مشاهدة قناة الأقصى الأولى فلسطينياً بنسبة 14%، بعدها أتت فضائيات: معاً، وفلسطين، وفلسطين اليوم، بنسبة مشاهدة 12% لكل منها.

وكذلك، قال الخبير الإعلاميّ الفلسطينيّ المقيم في السودان أسامة الأشقر لـ"المونيتور": "إنّ الأزمة الماليّة، التي تعيشها مؤسّسات حماس الإعلاميّة، تتطلّب منها اتّخاذ خطوات عاجلة كدمج المؤسّسات الكبيرة وإلغاء الصغيرة وتحديد ميزانيّة موحّدة للإعلام، ووقف تأسيس أيّ وحدة إعلاميّة مهما بلغت الحاجة إليها حتّى انقضاء الأزمة".

أقامت "حماس" في فترة الرخاء الماليّ، الذي عاشته في السنوات التي سبقت فرض الحصار عليها وتجفيف منابعها، منظومة إعلاميّة متكاملة داخل الأراضي الفلسطينيّة وخارجها: صحف مقروءة وإذاعات مسموعة وتلفزيونات مرئيّة ومواقع إلكترونيّة، استنزفت من موازناتها الماليّة مبالغ طائلة، فتكاثرت مؤسّساتها الإعلاميّة وتعدّدت منابرها وازداد عاملوها، وتكرّرت منتجاتها. ولمّا حدثت أزمتها الماليّة، تحوّل الإعلام لديها عبئاً إداريّاً وماليّاً وتنظيميّاً، لم تستطع أن تخفيه "حماس".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : israeli-palestinian conflict, television, hamas-iran relations, hamas funding, palestinian-israeli conflict, gaza, tv, hamas

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept