نبض مصر

هل تستطيع مصر دمج الاقتصاد الخفيّ في اقتصاد الدولة؟

p
بقلم
بإختصار
حجم الاقتصاد غير الرسميّ في مصر يصل إلى نحو 7 تريليونات جنيه مصريّ، والحكومة المصريّة تستعدّ لدمجه ضمن الاقتصاد الرسميّ من خلال مجموعة من القوانين... فهل تنجح؟

القاهرة - مع ساعات الصباح الباكر، تنطلق نعمة الفرماوي وصديقتها مي عبد المنعم، إلى أحد شوارع منطقة الكوربة في حيّ مصر الجديدة في القاهرة، تحملان في أيديهما أكياس مكتوب عليها "نهارك سعيد"، ومملوءة بالسندويشات، لبيعها على العاملين والمارّين في تلك المنطقة، وعلى وجههما ابتسامة جميلة.

تحلم الفرماوي منذ سنوات، بأن تمتلك مشروعاً خاصّاً بها، ويكون لها اسم مميّز في السوق المصريّ، خصوصاً في مجال المأكولات الجاهزة.

وقالت صاحبة مشروع "نهارك سعيد" الفرماوي لـ"المونيتور": "إنّ كلّ ما تحتاج إليه لاستمرار المشروع والتوسّع فيه وحفظ حقوقك وأداء واجبهك نحو الدولة، هو الحصول على تراخيص من الحيّ".

في الوقت نفسه، أصدرت لجنة الضرائب والجمارك في اتّحاد الصناعات المصريّةدراسة عن حجم التعاملات النقديّة للسوق غير الرسميّة في مصر، والتي قدّرت بنحو 400 مليار دولار أميركيّ، أي ما يعادل نحو 7 تريليونات جنيه مصريّ، وأرسلتها إلى وزارة الماليّة.

وقال رئيس لجنة الضرائب والجمارك في اتّحاد الصناعات المصريّة محمّد البهي في تصريحات صحافيّة في 4 كانون الأوّل/ديسمبر إنّ الدراسة تهدف إلى دمج الاقتصاد غير الرسميّ في الاقتصاد الرسميّ للدولة، وتحقيق عائد ماليّ غير مسبوق للرسوم الخاصّة بها والحفاظ على المجتمع.

وأشار إلى أنّ الدراسة ناقشت السلبيّات الناتجة عن الاقتصاد غير الرسميّ وكيفيّة حلّها، ومن ضمن هذه الحلول إنشاء مجلس أعلى للضرائب وتحويل مصلحة الضرائب إلى هيئة عامّة، وتعديل قانون القيمة المضافة، وتوحيد سعر الضريبة، وإقرار قانون محاسبة المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر، وتحفيز الدفع الإلكترونيّ بدلاً من التعامل النقديّ.

"ويعرف الاقتصاد غير الرسميّ بأنّه أنشطة اقتصاديّة لا تخضع إلى رقابة الحكومة ولا يتمّ تحصيل ضرائب عنها، ولا تدخل في حسابات الناتج القوميّ الإجماليّ"، حسبما أورد الباحث الاقتصاديّ حسين عبد اللطيف في دراسته عن انعكاسات القطاع غير الرسميّ على الاقتصاد المصريّ، وتصل نسبة الاقتصاد غير الرسميّ إلى نحو 60% من أجمالي الاقتصاد المصريّ.

ويعدّ الاقتصاد غير الرسميّ إحدى الظواهر المرهقة للدولة ومجتمع الأعمال في الاقتصاد الرسميّ، إلى جانب "أنّ كلّ المنتجات رديئة الصنع وغير مطابقة للمواصفات وغير خاضعة لمعايير السلامة والصحّة العامّة أو التصنيع أو البيئة، أو مقلّدة، ممّا يضرّ بالصناعة الوطنيّة"، حسبما قال مدير مركز طيبة للدراسات السياسيّة والخبير الاقتصاديّ خالد رفعت صالح لـ"المونيتور"، حيث أضاف: "من سلبيّات الاقتصاد غير الرسميّ، عدم وجود حقوق تأمينيّة للعاملين فيه أو صرف تعويضات في حال الإصابة أو معاش عند بلوغ السنّ القانونيّ، على عكس العاملين في الاقتصاد الرسميّ".

وأوضح: "يجب ألّا يقتصر تفكيرنا على العائد الماليّ الآتي من إصدار تصاريح مزاولة النشاط والضرائب والتأمينات المستهدفة من الاقتصاد غير الرسميّ، قبل دمجه، بل يجب تقديم امتيازات تشجّع العاملين في هذا القطاع على الدخول تحت مظلّة الدولة، بداية من تقديم إعفاء من الضرائب لمدّة لا تزيد عن 3 سنوات، وتسهيل عمليّة الاقتراض من البنوك للتوسّع، وحمايتهم بوضعهم تحت مظلّة قانون حماية الإفلاس في حالة التعثّر".

وتابع صالح في حديثه إلى "المونيتور": "إنّ تنظيم المعارض للعاملين في الاقتصاد غير الرسميّ، سوف يكون حافزاً مشجّعاً لهم للدخول ضمن الاقتصاد الرسميّ، لأنّ ذلك سوف ييسّر عليهم تسويق منتجاتهم، ويمنحهم فرصة للتطوير".

"نفسي أبطّل أجري بالبضاعة والفرشة كلّ ما أشوف الأمن"، هكذا قال صابر أحمد الثلاثينيّ، وهو بائع سراويل جينز في سوق العتبة لمراسل "المونيتور"، متابعاً: "يا ريت الحكومة تديّنّي رخصة عشان أطّمن ويبقي عندي تأمينات ومعاش لمّا أكبر في السنّ".

التقط طرف الحديث من في جواره، وهو بائع الزجاجات البلاستيكيّة عم أبو سيّد، قائلاً لـ"المونيتور": "أنا قرّبت لستّين سنة، نفسي في كشك صغير أقف أبيع فيه بكرامتي، لكن دا محتاج مصاريف وأنا معنديش".

وأوضح عند سؤاله عن مصدر هذه الزجاجات، وإذا كانت صالحة للاستخدام الآدميّ: "أنا بشتريها من مصنع في حيّ البساتين (في القاهرة)، غير كده معرفش".

هناك العديد من السلع والمنتجات المجهولة المصدر، والتي تباع في الأسواق الشعبيّة كسوقي العتبة والجمعة.

من جانبه، قال وكيل لجنة الشؤون الاقتصاديّة في مجلس النوّاب المصريّ أشرف العربي لـ"المونيتور": "إنّ نجاح الاندماج يعتمد على تشريع قوانين تيسّر لأصحاب المشاريع القائمة في الاقتصاد غير الرسميّ، الدخول في الاقتصاد الرسميّ للدولة والخروج منه بسهولة، مع منحهم امتيازات اقتصاديّة تدفعهم إلى المشاركة في الاقتصاد الرسميّ والاندماج به، حتّى تستطيع الدولة الاستفادة منهم ومراقبتهم للحفاظ على المجتمع".

وأكّد العربي أنّ "هناك مجموعة من القوانين المحفّزة للعاملين في القطاع غير الرسميّ للاندماج في شكل مناسب لهم في الاقتصاد الرسميّ للدولة، تتضمّن خفض الضرائب المفروضة عليهم، ومنحهم قروضاً ميسّرة".

يذكر أنّ مجلس الوزراء المصريّ أعلن في 10 كانون الأوّل/ديسمبر، عن خطّة الحكومة المصريّة لدمج الاقتصاد غير الرسميّ في الاقتصاد الرسميّ، من خلال 3 خطوات، الانتهاء من إعداد مشروع قانون في شأن النظام الضريبيّ للمشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر، والانتهاء من الصياغة الأوّليّة لمشروع الإجراءات الضريبيّة الموحّدة، وأخيراً عرض مشروع قطاع الأعمال والمتخصّصين.

وعن مدى قدرة الحكومة المصريّة على إنجاح عمليّة دمج الاقتصاد غير الرسميّ تحت مظلّة الدولة، صرّحت أستاذة الاقتصاد في جامعة عين شمس الدكتورة يمن الحماقي لـ"المونيتور": "إنّ كلّ الدراسات الميدانيّة، التي تمّت عن قطاع الاقتصاد غير الرسميّ في مصر، أوضحت استعداده الدخول ضمن الاقتصاد الرسميّ، خصوصاً قطاع الملابس الجاهزة".

وقالت الحماقي: "إنّ المشكلة الوحيدة التي تواجه دخول القطاع غير الرسميّ ضمن القطاع الرسميّ للاقتصاد، هي التكلفة الماليّة الكبيرة التي تقابل أصحاب تلك المشاريع أو العاملين فيها، لكن إذا تمّ تشريع قوانين محفّزة، تضمن لهم مكاسب مقابل التكاليف المدفوعة منهم، ومنها التمويل للتوسّع في المشروع، وفتح الأسواق العالميّة لهم من أجل التصدير، وخفض الضرائب عليهم، إذا تمّ ذلك سوف يتمّ دمجهم بنجاح، لأنّهم سوف يشعرون بأنّ مكاسبهم تحت مظلّة الدولة أكبر".

وأكدّت الحماقي: "إنّنا يجب أن ندرس عمليّة دمج كلّ نشاط اقتصاديّ داخل القطاع الاقتصاديّ غير الرسميّ في شكل منفصل، فقطاع الملابس الجاهزة يختلف عن قطاع الأغذية وعن قطاع الأثاث وهكذا، حتّى نحدّد احتياجات كلّ قطاع ومشاكله ونحلّها بالطريقة الأفضل والأنسب لها".

واختتمت حديثها قائلة: "وجود الاقتصاد غير الرسميّ ضمن الاقتصاد الرسميّ للدولة، سوف يكون له أثر إيجابيّ على ميزانيّة الدولة وعلى المواطن"

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

 صحفي مصري، عمل كمحرر في الصفحة الأخيرة بجريدة الشروق، ومحرر في موقع أراجيك

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept