تونس أوّل بلد عربيّ يقرّ المساواة في الميراث بين المرأة والرجل

p
بقلم
بإختصار
أثار قرار الحكومة التونسيّة بالمصادقة على مشروع قانون ينصّ على المساواة التامّة بين الإناث والذكور في الميراث، كأوّل بلد عربيّ، جدلاً داخل المجتمع التونسيّ بين العلمانيّين الحداثيّين والمسلمين المحافظين حول مسألة الهويّة العربيّة الإسلاميّة، خصوصاً أنّ قوانين الميراث في تونس تُستمدّ عادة من الشريعة الإسلاميّة وتقوم إجمالاً على قاعدة "للذكر مثل حظّ الأنثيين"، ويتوقّع مراقبون أن يثير مشروع القانون الجديد نقاشاً حادّاً تحت قبّة البرلمان.

تونس - صادق مجلس الوزراء في تونس، الجمعة في 23 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2018، بإشراف رئيس الجمهوريّة الباجي قائد السبسي، على مشروع قانون الأحوال الشخصيّة (سلسلة من القوانين التقدميّة التونسيّة أعطت للمرأة مكانة هامة في المجتمع التونسي ، تهدف إلى إقامة المساواة بين الرجل والمرأة في مجالات عدّة، غير أن مقترح القانون الجديد يعد أوّل قانون يتضمّن أحكاماً بالمساواة التامّة في الميراث بين الرجل والمرأة،) عكس ما ينصّ عليه القرآن بأن يرث الرجل أكثر من المرأة بثلثين.

وشدّد قائد السبسي في تصريح أدلى به مباشرة بعد انعقاد المجلس الوزاريّ للمصادقة على مشروع القانون، على مدنيّة الدولة والمساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات، طبقاً لما جاء به الفصل 21 من دستور ما بعد الثورة.

وأعلن حزب "نداء تونس" (الشريك الأوّل في الحكم)، خلال ندوة صحافيّة الخميس في 29 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2018، تكوين لجنة وطنيّة لدعم، ومساندة مشروع القانون، من خلال تجميع القوى السياسية التقدّمية من أجل التصويت عليه في البرلمان، ولم يتم تحديد موعد انطلاق نشاطها بعد، وتضمّ اللّجنة حاليّاً 19 عضواً من مجالات عدّة سياسيّة وإعلاميّة وفنيّة وثقافيّة ومكوّنات المجتمع المدنيّ.

وكانت لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة، التي أذن السبسي بتشكيلها في 13 آب/أغسطس من عام 2017، من أجل تقديم مقترحات لقوانين تدعم الحريات الفردية والمساواة في تونس، تتوافق مع التزامات تونس من حيث حقوق الإنسان في القانون الجديد، قد قدّمت تقريرها في 8 حزيران/يونيو من عام 2018، وتضمّن التقرير مجموعة من المقترحات المتعلّقة بتطوير مجلّة الأحوال الشخصيّة، مع إضافة قانونٍ جديدٍ لم تتضمّنه المجلّة سابقاً، ينصّ على المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة.

ومن المنتظر أن يحال مشروع القانون على البرلمان ليصادق عليه، خلال جلسة لم يتمّ تحديد موعدها بعد، ليصبح قانوناً ساري المفعول، وسط جدل بين ترحيب الأحزاب التقدميّة والمنظّمات الحقوقية من جهة، ورفض الأحزاب ذات المرجعيّة الدينيّة والجمعيّات الإسلاميّة من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، أثنت مفوّضة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشليه في بيان نشرته مفوضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان، الثلاثاء في 27 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2018، على موافقة الحكومة التونسيّة على مشروع قانون يمنح النساء حقوقاً متساوية في الميراث، معتبرة إيّاها خطوة باتّجاه المساواة بين الجنسين.

كما ثمّنت رئيسة الجمعيّة التونسيّة للنساء الديمقراطيّات يسرى فراوس خلال تصريح لإذاعة "شمس أف أم" الحكوميّة في 23 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2018، المصادقة على مشروع هذا القانون، مشدّدة في التصريح نفسه على ضرورة أن يكون متطابقاً بالكامل مع الدستور التونسيّ.

ورجّح القياديّ في حزب "نداء تونس" رضا بلحاج خلال ندوة عقدها الحزب في 29 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2018، تمرير مشروع قانون المساواة في الميراث بأغلبيّة مريحة، مشيراً إلى أنّ "حركة النهضة الإسلاميّة" (شريك نداء تونس في الحكم) لا وزن له لتعطيل تمرير هذا القانون.

من جهتها، اعتبرت رئيسة الاتحاد الوطنيّ للمرأة التونسيّة راضية الجربي في تصريح لـ"المونيتور" أنّ التمييز وعدم المساواة في الميراث هما جرم يُرتكب بين الأبناء ومسكوت عنه منذ سنوات. ولقد حان الوقت لرفع هذا الظلم عن المرأة ومنحها حقوقها كاملة مثلها مثل الرجل.

وفي مقابل ذلك، اعتبر مفتي الجمهوريّة عثمان بطّيخ في تصريح لموقع "الصريح" الخاص في 28 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2018، أنّه لا يجوز المساواة في الميراث، مشيراً إلى أنّها مسألة حسم فيها النصّ القرآنيّ.

وحذّر عثمان بطّيخ في التصريح نفسه من خطورة استغلال المتطرّفين لهذا الوضع لاستهداف تونس.

وأكّد النائب عن حزب "تيّار المحبّة" محمّد الحامدي في تصريح لـ"المونيتور" أنّ حزبه قرّر إطلاق مبادرة تحت اسم "العريضة الشعبيّة للدفاع عن الهويّة الإسلاميّة للبلاد التونسيّة" من أجل منع تمرير مشروع القانون المذكور، لأنه يتعارض مع القرآن، وقع عليها حوالي 5000 مواطناً إلى حدّ الآن وفق تعبيره.

ولم يعلن حزب "حركة النهضة الإسلاميّة" موقفاً رسميّاً بعد، غير أنّ النائب عن كتلته أسامة الصغير أكّد في تصريح لـ"المونيتور" أنّ نوّاب الحركة سينتظرون إحالة مشروع القانون على البرلمان ليطّلعوا على محتواه، وسيقرّرون بعدها التصويت عليه أو رفضه، مشيراً في التصريح نفسه إلى أنّ حزب "حركة النّهضة" قد يقترح تعديلات على مشروع القانون لملاءمته مع النص القرآنيّ، قبل التصويت عليه.

من جهته، قال القياديّ في الحركة عبد الحميد الجلاصي خلال تصريح لإذاعة "شمس أف أم" الحكوميّة، الأربعاء في 28 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2018: إنّ كتلة الحركة في البرلمان لن تصوّت لفائدة مشروع قانون المساواة في الميراث، وإنّ إثارة هذا الموضوع في هذا التوقيت ستؤدّي إلى احتقان على مستويات عدّة.

وتوقّع النائب عن حزب "التيّار الديمقراطيّ" غازي الشواشي في تصريح لـ"المونيتور" أن يثير مشروع القانون الجديد فتنة في تونس، في حال لم تحاول الكتل النيابيّة تقريب وجهات النظر في ما بينها، مشيراً إلى أنّه يدعم قانون المساواة مع مراجعة كلّ التشريعات المتعلّقة بالحقوق والحريّات.

بدوره، اعتبر رئيس منتدى "الجاحظ" (منبر فكريّ وثقافيّ إسلاميّ تونسيّ) والمحلّل السياسيّ صلاح الدين الجورشي في تصريح لـ"المونيتور" أنّ مشروع هذا القانون سيخلق نقاشات حادّة وجدلاً كبيراً في البرلمان، بسبب اختلاف المواقف بين الكتل النيابيّة.

ورأى صلاح الدين الجورشي في التصريح نفسه أنّ الجدل سيُحدثه موقف حزب "حركة النهضة" صاحب الأغلبيّة البرلمانيّة الرافضة لهذا المشروع. كما قال إنّه سيخلق مشاكل داخل العائلات التونسيّة، في حال طالب الإناث بالمساواة في الميراث مع الذكور.

وكان عدد من علماء ومشايخ الزيتونة ودكاترة الشريعة في تونس قد نشروا عريضة 17 آب/أغسطس من عام 2017، على المواقع الالكترونية، موقّعة تعبّر عن رفضهم المبادرة الرئاسيّة للمساواة في الميراث، في حال الإعلان عنها، ودعوا السبسي خلال مؤتمر صحافيّ انعقد في 17 آب/أغسطس من عام 2017 إلى التراجع عن هذه الدعوة، التي وصفوها بالخطيرة لتغيير أحكام الميراث القرآنيّة، لأنّ ذلك يخالف شرع الله، فيما لم يعلنوا عن موقفهم من مصادقة الحكومة على القانون.

وكان الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي قد اقترح، صياغة قانونٍ ينصّ على المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة في 13 أغسطس 2017، بمناسبة احتفال تونس باليوم الوطني للمرأة، ليتمّ فعليا المصادقة عليه من قبل مجلس الوزراء في 23 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2018، في انتظار عرضه على البرلمان للمصادقة عليه، دون تحديد موعد لذلك.

والجدير بالذكر أنّ عدد النساء اللواتي صوّتن لفائدة السبسي خلال انتخابات 2014 قُدّر بالمليون امرأة أيّ بنسبة تفوق الـ61 في المائة من عدد الأصوات، حسب إحصائيّات شركة "سيغما كونساي" لسبر الآراء، فيما تتّجه أنظار التونسيّين نحو الانتخابات البرلمانية المقبلة المقرّرة في تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2019.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : حقوق المرأة

حنان جابلي، صحفية تونسية متخرجة من معهد الصحافة وعلوم الأخبار، سنة 2013، عملت في عدة وسائل إعلام تونسية، منها صحيفة الشاهد وراديو الكرامة الخاص، وتحصلت على شهادة المرأة المميزة لسنة 2017، حول مساهمة المرأة التونسية في المسار الانتقالي.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept