نبض مصر

"المستشرق"... ميراث حائر بين الأفراد والدولة

p
بقلم
بإختصار
مع وفاة حسن كامي، وهو مالك مكتبة "المستشرق" الأثريّة، التي تحتوي مئات المخطوطات التاريخيّة، نشأت حالة من النزاع القانونيّ حول المكتبة بين أسرته ومحاميه ووزارة الثقافة، وأدّى النزاع إلى إغلاق المكتبة وحرمان عشّاقها من زيارتها.

القاهرة – في 14 كانون الأول/ديسمبر 2018، رحل الفنان التليفزيوني والمسرحي حسن كامي، تاركا خلفه صراعا قانونيا على جزء هام وبارز - بالنسبة له ولأسرته وربما بالنسبة لآلاف من المصريين - من تركته؛ وهو مكتبة "المستشرق"، وتضم 40 ألف كتابا بينهم مخطوطات نادرة ونسخ أولى وأصلية من بعض أمهات الكتب، وكان يرفض كامي بيعها وفي عهد إدارته للمكتبة لم تكن إلا للإطلاع فقط.

بدأ الصراع القانوني في الأساس، بين عمرو رمضان، محامي حسن كامي، وادعى أن الأخير باعه المكتبة بكل محتوياتها قبل عدة سنوات من وفاته، وبين أسرة حسن كامي، وهم من ينكرون بيع كامي المكتبة لمحاميه، وفي ظل الصراع بين الطرفين السابقين دخلت كل من وزارة الثقافة المصرية ومكتبة الإسكندرية، المكتبة العامة الأكبر في مصر، ومجلس النواب على خط النزاع القانوني لحماية ما اعتبروه "إرثا تاريخيا وثقافيا" في مكتبة "المستشرق".

بدأت الأزمة، في 17 كانون الأوّل/ديسمبر، بعد فراق كامي الحياة بـ3 أيّام، عندما تحرك عمرو رمضان تحركه الأول بناء على إدعائه بيع كامي المكتبة بكلّ محتوياتها له قبل وفاته، وتمثل التحرك في فتحه المكتبة وبيعه بعض المقتنيات النفيسة فيها، مثل كتب ووثائق ومخطوطات نادرة كان يرفض كامي بيعها، مما أثار غضب أسرة كامي ودفعهم إلى التقدم ببلاغ ضد رمضان، في اليوم نفسه، أمام النيابة العامة، اتهموه خلاله بمحاولة الاستيلاء على تركة حسن كامي المتمثلة في فيلا ومكتبة "المستشرق" بعقود بيع مزورة "أساء فيها رمضان استغلال تقدم سن كامي لدفعه إلى التوقيع عليها"، وفقا لما جاء في بلاغهم.

وبينما انشغل كل من رمضان وأسرة كامي بصراعهم القانوني على التركة عامة والمكتبة بشكل خاص، أبدى العديد من المثقفين والسياسيين قلقهم حول مصير المكتبة ومحتوياتها بعد رحيل كامي، مسلطين الضوء على احتماليات بيع الورثة؛ سواء من أسرته أو محاميه، للكتب والوثائق والمخطوطات النادرة مما قد يؤدي إلى مغادرتها البلاد.

ودعا العديد من المثقفين والسياسيين وعلى رأسهم يوسف القعيد، الكاتب الصحفي والروائي وعضو مجلس النواب، مؤسسات الدولة إلى التحرك وفقا لقانون حماية المخطوطات لمنع بيع محتويات المكتبة قبل أن تختفي داخل مصر أو خارجها إلى الأبد، بعد أن اعتبرها القعيد وغيره من أعضاء اللجنة الثقافية بمجلس النواب المصري إرثا ثقافيا لكافة المصريين وليس لأسرة كامي أو محاميه وحدهم.

وبناء على المطالب والدعاوى السابقة، تقدمت إيناس عبد الدايم، وزيرة الثقافة المصرية، بمذكرة إلى النائب العامة، يوم 18 كانون الأول/ديسمبر، طالبت فيها النيابة العامة بـ"حماية الإرث الثقافي لكامي" ومنع أي من الورثة المتنازعين من بيع محتويات المكتبة أو التصرف فيها بأي شكل من الأشكال حتى تفحص لجنة من دار الكتب والوثائق المصرية، إحدى المؤسسات التابعة لوزارة الثقافة، كافة محتويات المكتبة لتحدد أي من تلك المحتويات يعتبر مخطوطا تنطبق عليه مواد القانون المصري لحماية المخطوطات.

الأمر الذي دفع بالنيابة العامّة إلى التحرّك، في 18 كانون الأوّل/ديسمبر، بإغلاق المكتبة بالشمع الأحمر إلى حين انتهاء النزاع القانونيّ عليها بين رمضان وأسرة كامي والدولة، ومنذ ذلك الحين تباطأت وتيرة الأحداث المتسارعة وسط ترقب - من أسرة كامي ورمضان وأعضاء مجلس النواب ووزارة الثقافة والعديد من المثقفين والسياسيين وربما العديد من زوار المكتبة – لما ستسفر عنه أعمال لجنة دار الكتب والوثائق لفحص محتويات المكتبة، وكانت دار الكتب قد أعلنت، في بيان رسميّ بـ7 كانون الثاني/يناير، أنّ اللجنة ستبدأ أعمالها خلال شهر كانون الثاني/يناير.

وفي محاولة للحفاظ على محتويات مكتبة "المستشرق" وإتاحتها لعامة المصريين، أعلن مدير مكتبة الإسكندريّة مصطفى الفقي في تصريحات صحافيّة بـ23 كانون الأوّل/ديسمبر، أنّ المكتبة توصلت إلى اتفاق مع الورثة الشرعيّين لكامي (أسرته) تحصل المكتبة بموجبه على أجزاء قيمة من مكتبة "المستشرق". وانفردت جريدة "فيتو" المصرية، يوم 23 كانون الأول/ديسمبر 2018، بنشر نسخة من الاتفاق بين الطرفين، وينص الاتفاق أو التعاقد على أن يكون لمكتبة الإسكندرية الأولوية في بيع الورثة لأي من محتويات المكتبة أو التبرع بها.

كما ينص أيضا على أن تشارك مكتبة الإسكندرية فور تسلم الورثة لمكتبة "المستشرق" في جرد كافة محتوياتها وتتضمن مجموعة حسن كامي الورقية سواء المطبوعة أو المخطوطة أو المرسومة أو الملتقطة لتحديد ما هو قيم منها، على أن يحدد الورثة ما هم على استعداد لإهدائه إلى مكتبة الإسكندرية وما هم راغبين في بيعه بمقابل مادي المكتبة.

وللإشارة، فإنّ مكتبة "المستشرق" تأسّست في نهاية القرن التاسع عشر على يدّ يهوديّ - مصريّ من أصول سويسريّة يدعى فيلدمان، الذي غادر مصر خلال عام 1956، تاركاً المكتبة تحت إدارة مساعده شارل بحري، إلى أن اشتراها كامي في ثمانينيّات القرن الماضي، وهي تضمّ نسخاً قيّمة من 40 ألف كتاب، أبرزها: "حول العالم في ثمانين يوماً" و"وصف مصر".

وقال يوسف القعيد لـ"المونيتور": إنّ محتويات المكتبة تعتبر إرثاً ثقافيّاً لجميع المصريّين، وليس لأسرة كامي أو محاميه. ولا بدّ لأجهزة الدولة أن تضع يدها على تلك المقتنيات مع تعويض ملاكها الأصليين؛ سواء أسرة كامي أو محاميه، "خصوصاً أنّ النزاع الأخير بين الأسرة والمحامي أثبت أنّ محتويات المكتبة لن تكون في متناول أيدي جميع المصرييّن، إلاّ إذا كانت تحت إشراف الدولة، فلو بقيت المحتويات في يدّ المحامي ربّما تباع وربّما تقرّر الأسرة إغلاق المكتبة لانشغالها أو بسبب النزاع القانونيّ بينها وبين المحامي. وفي النهاية، لن يتمكّن المصريّون من الاستفادة من هذا الإرث الثقافيّ".

من جهته، لفت عضو لجنة الإعلام في مجلس النوّاب أسامة هيكل خلال حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ المكتبة بمحتوياتها ملك لأسرة حسن كامي أو محاميه. وإنّ المالك الحقيقيّ من الطرفين السابقين هو وحده من يملك الحقّ في التبرّع بها للدولة أو التنازل عنها، مقابل تعويض ماديّ، مشيراً إلى أنّه لا يوجد ما يلزم المالك الحقيقيّ للمكتبة وصاحب الحقّ فيها بموجب القانون بالتنازل عنها للدولة، مقابل تعويض أو التبرّع بها. وعلى وزارة الثقافة أو مكتبة الإسكندريّة الانتظار حتّى انتهاء النزاع القانونيّ بين أسرة كامي ومحاميه، ويذكر أن نيابة قصر النيل بدأت، في 29 كانون الأوّل/ديسمبر، التحقيق في النزاع القانونيّ على ملكيّة المكتبة بين أسرة كامي ومحاميه.

واتّفق المحامي المتخصّص في قضايا الميراث محمود العمراني مع هيكل في الرأي، إذ أشار في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ مصير المكتبة ينحصر في احتمالين: الأوّل: أن يكون كامي قد باعها لرمضان، ويصبح هو وحده صاحب الحقّ في التصرّف فيها سواء بالاحتفاظ بها أو ببيعها أو ببيع محتوياتها أو بالتبرّع بها للدولة أو بالتنازل عنها للدولة مقابل تعويض، وفي هذه الحالة لن يكون الاتفاق المبدأي بين أسرة كامي ومكتبة الإسكندرية ملزما لرمضان.

وقال العمراني: "إنّ الاحتمال الثاني أن تؤول ملكية المكتبة إلى أسرة حسن كامي إذا كان عقد رمضان غير صحيح. وفي هذه الحالة، يحقّ لأسرة كامي وحدها التصرّف في المكتبة ومحتوياتها بالاحتفاظ بها أو ببيعها أو بالتبرّع بها، على أن تكون لمكتبة الإسكندرية الأولوية في البيع والتبرع وعلى أن تحدد الأسرة ما ترغب في إهدائه للمكتبة وما ترغب في بيعه وفقا للمقابل المادي الذي تحدده، وفي حالة رفض مكتبة الإسكندرية للمقابل المادي يحق للأسرة عرض أي من محتويات المكتبة على مشتري آخر".

وقال مصدر مطّلع في دار الكتب والوثائق لـ"المونيتور": "إذا لم تستطع مكتبة الإسكندريّة شراء محتويات مكتبة "المستشرق" أو إقناع الورثة التبرع بها، ستنشأ أزمة بين وزارة الثقافة ومن تستقرّ بين يديه ملكيّة المكتبة ومحتوياتها، لأنّ وزارة الثقافة ودار الكتب في ضوء الميزانيّات المحدودة لها لن تستطيع تقديم التعويض المناسب إلى الملاّك لأنّ قيمة ما في المكتبة يتجاوز ملايين الدولارات".

ورأى محمود العمراني أنّ المبادرة الأقرب إلى المنطق هي تطبيق قانون حماية المخطوطات، الذي ينصّ على أن يخطر ملاّك المكتبة دار الكتب والوثائق بالمخطوطات النادرة في المكتبة لترميمها وفهرستها وترقيمها، ثمّ إعادتها إلى ملاّكها على أن يحقّ لهم بيعها تحت إشراف دار الكتب وبإخطارها وعلمها على ألاّ تغادر تلك المخطوطات جمهوريّة مصر العربيّة، وقال: "وبهذا، يتمكّن الملاّك من الاستفادة منها من دون أن تفرّط فيها الدولة".

بدوره، قال اللواء ممدوح محمود، وهو زوج شقيقة الفنان كامي وهي من ورثته، لـ"المونيتور": إنّ الورثة ليسوا ضدّ تطبيق قانون المخطوطات، وليسوا ضدّ التبرّع بالمكتبة ومحتوياتها للدولة، إلاّ أنّهم ضدّ إعلان أيّ جهة أحقيّتها في المكتبة سواء شخص كعمرو رمضان أو جهة كمكتبة الإسكندريّة من دون وجه حقّ.

أمّا رمضان فأشار في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّه ليس ضدّ التفاوض مع مكتبة الإسكندريّة أو دار الكتب على المكتبة، وليس ضدّ تطبيق قانون حماية المخطوطات، ولكن بعد استقرار الملكيّة وانتهاء النزاع القانونيّ عليها بينه وبين أسرة كامي.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept