نبض فلسطين

إفراج مصر عن معتقلي "حماس" يزيد تقاربهما

p
بقلم
بإختصار
في خطوة مفاجئة، أفرجت مصر عن 3 من كوادر "حماس" معتقلين لديها منذ أشهر، من دون كشف سبب اعتقالهم، بعد أن ركّزت زيارات قادة "حماس" في الأشهر الأخيرة للقاهرة على الإفراج عنهم، حتّى تحقّق ذلك، في ظلّ وجود 4 معتقلين آخرين من نشطاء حركة "حماس" العسكريّين في مصر منذ 4 سنوات، رغم استمرار مطالباتها بذلك... مقالي يناقش من هم هؤلاء المعتقلون؟ ولماذا اعتقلتهم؟ وهل تعرّضوا للتعذيب في السجون المصريّة؟ وأين السبب في الإفراج عنهم حاليّاً ومدى ارتباطه بإرضاء "حماس" لمواصلة التهدئة مع إسرائيل؟

يتواصل تقارب "حماس" ومصر بصورة مطّردة تمثّلت في الزيارات المتبادلة بين غزّة والقاهرة في الأشهر الأخيرة، آخرها في تشرين الثاني/نوفمبر حين زار مصر وفد قياديّ من "حماس" برئاسة نائب رئيس مكتبها السياسيّ صالح العاروري لتطوير العلاقات الثنائيّة وإنهاء حصار غزّة وتحقيق المصالحة الوطنيّة.

وفي خطوة غير مسبوقة، شارك مسؤول الملف الفلسطينيّ في المخابرات المصريّة اللواء أحمد عبد الخالق بـ16 تشرين الثاني/نوفمبر بمهرجان تأبين كوادر من "حماس" قتلوا في خانيونس خلال تصعيد مع إسرائيل في الشهر ذاته، أعقب اشتباك مقاتلي حماس مع قوة إسرائيلية سرية متسللة إلى خانيونس يوم 11 نوفمبر.

أمّا الأيّام الأخيرة فشهدت زيادة نوعيّة في تقارب علاقات "حماس" بمصر، حين أفرجت الأخيرة في 30 كانون الأوّل/ديسمبر عن 3 فلسطينيّين من قطاع غزّة معتقلين لديها لفترات متفاوتة بين 5 و20 شهراً، وهم: حسام أبو وطفة ومحمّد غيث وأيمن مليحة، واستقبلهم رئيس "حماس" إسماعيل هنيّة بمكتبه في اليوم ذاته، واعتبر إطلاق سراحهم تطوّراً للعلاقة مع الأشقّاء المصريّين، دون أن تصدر مصر بيانا رسميا حول الإفراج عن هؤلاء الثلاثة.

وأشارت عائلات المفرج عنهم إلى أنّ أبو وطفة اختفت آثاره في نيسان/إبريل أثناء خروجه من معبر رفح لتجديد إقامته في قطر، وتمّ احتجاز مليحة في مطار القاهرة عند عودته من ماليزيا في آب/أغسطس من عام 2017 عقب انتهائه دراسة الدكتوراه، وتمّ احتجاز غيث من مطار القاهرة في تمّوز/يوليو، من دون كشف وجهته السابقة. لقد حاول "المونيتور" التواصل مع المفرج عنهم، لكنّهم رفضوا، وامتنعوا عن كشف طبيعة التحقيق الذي مرّوا به، والأسئلة التي سئلوا عنها من قبل الأمن المصريّ.

جرت العادة ألا تتحدث مصر عن أسباب احتجاز أي فلسطيني لديها، باعتباره موضوعا أمنياً لا يجوز الحديث فيه عبر الإعلام، بل تقتصر المباحثات حوله مع حماس في لقاءاتها الدورية مع المخابرات المصرية.

علم "المونيتور" من مسئول في حماس، أخفى هويته، أن "موضوع الإفراج عن المحتجزين الفلسطينيين في السجون المصرية، دون تحديد أعدادهم، يأخذ نصيبا وافرا من الزيارات الدائمة التي تتم بين حماس والجانب المصري، حيث تمارس الحركة ضغوطا قوية على الأشقاء المصريين للإفراج عنهم، وفجأة يأتي قرار الإفراج المصري، دون توضيح سبب الاحتجاز أو توقيت الإفراج".

وفي هذا السياق، قال المتحدّث باسم "حماس" حازم قاسم لـ"المونيتور": "إنّ الإفراج عن الشبّان في هذا الوقت مظهر لتطوّر علاقة حماس ومصر، في ظلّ قناعة الأخيرة بأنّنا لا نتدخّل في شؤونها، ولم يقم عناصرنا بأيّ سلوك ضدّ مصر. والآن، تتطوّر علاقتنا بشكل ثابت نحو الأفضل، مع تواصلنا المستمرّ في ملفّات مختلفة، الأمر الذي زاد من مساحة المصالح المشتركة التي تخدمنا معاً، سواء التخفيف من ظروف حصار غزة، أو حفظ الوضع الأمني المصري في سيناء. حماس تقدّر جهد مصر وتتعاطى معه بإيجابيّة، وتدعوها إلى الإفراج عن المعتقلين الأربعة لديها".

حماس من جهتها تدرك أن أول ركن في علاقتها مع مصر يكمن في كون الأخيرة الدولة العربية الأكبر، التي تمسك بالملف الفلسطيني، وبسبب معبر رفح الحدودي بين غزة ومصر، فإنها معنية بتحسين علاقاتها بمصر، وإلا فإن الحركة ستبقى حبيسة في غزة، دون تواصل مع العالم الخارجي، كما أن استمرار حصار غزة وإغلاق معبر رفح، وخشيتها من امتداد العنف في سيناء إلى غزة، يشجع حماس على إقامة علاقة قوية مع مصر.

ما زالت مصر تعتقل 4 من كوادر "حماس"، منذ خروجهم من معبر رفح في آب/أغسطس من عام 2015، وتم اعتقالهم من داخل حافلة تقل مسافرين فلسطينيين بمدينة رفح المصرية، دون أن توضح مصر سبب اعتقالهم، وفي كلّ لقاء لقادة "حماس" مع المسؤولين المصريّين، يثار موضوع الإفراج عنهم، ولكن من دون جدوى. وفي تشرين الثاني/نوفمبر، أبلغت مصر "حماس" بأنّها ستفرج قريباً عن أحد عناصرها المحتجز لديها منذ 27 عاماً، ولم يفرج عنه بعد، من غير الأربعة السابقين، حيث تم اعتقال الفلسطيني وحيد أبو الخير من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة عام 1991 أثناء زيارته لمصر، دون توضيح أسباب اعتقاله.

وفي 31 تشرين الأوّل/أكتوبر، أفرجت القاهرة عن 15 من عناصر الجهاد الإسلاميّ المعتقلين لديها منذ أشهر، "المونيتور" حاول أخذ تعقيب من الجهاد الإسلامي ومصر حول أسباب اعتقال هؤلاء، لكن الجانبين رفضا لأسباب أمنية. وفي 5 تشرين الأوّل/أكتوبر، أفرجت مصر عن 5 فلسطينيّين من غزّة معتقلين لديها منذ عام.

لا يعرف عدد بدقة عدد كوادر حماس المحتجزين في مصر، لكن الحملة بدأت منذ الإطاحة بالرئيس المصري السابق محمد مرسي في 2013، واتهام السلطات المصرية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي لعناصر حماس بتنفيذ عمليات أمنية داخل سيناء والأراضي المصرية، فيما تنفي حماس تورطها بهذه العمليات.

وقال المتحدّث السابق باسم وزارة الداخليّة في غزّة إسلام شهوان لـ"المونيتور": "هناك العديد من الفلسطينيّين المحتجزين في مصر من دون توافر عدد دقيق، لأسباب مختلفة، كهؤلاء المفرج عنهم، رغم ارتفاع التنسيق بين حماس ومصر، وسعيهما إلى حفظ أمن الحدود بين غزّة وسيناء، وتبادل المعلومات الأمنيّة، وخفض عدد الممنوعين من السفر من غزّة، وتخفيف إجراءات سفر الفلسطينيّين من معبر رفح، وصولاً إلى القاهرة على الحواجز الأمنيّة".

يشكّل الإفراج عن الثلاثة تعبيراً عن انفراجة بعلاقات "حماس" بمصر، مع تنامي مصالحهما المتبادلة لمواجهة العنف بسيناء، ووجود جرحى فلسطينيّين يتعالجون في المشافي المصريّة، وقناعة "حماس" بأنّ مصر متنفّسها الوحيد للعالم، فيما تحتاج مصر إلى جهة قويّة تحفظ أمن حدودها مع غزّة. وربّما حازت "حماس" ثقة مصر، وقد أسفر تحسن علاقات حماس مع مصر عن سوء علاقة "حماس" بالمجموعات المسلّحة في سيناء، واتّهامها بالتعاون مع النظام المصريّ لمحاربتها، دون أن تبدي حماس خيبة أمل من خسارتها لعلاقتها مع المجموعات المسلحة بسيناء.

وقال مسؤول فلسطينيّ قريب من الرئيس محمود عبّاس، أخفى هويته، لـ"المونيتور": "إنّ السلطة الفلسطينيّة تنظر إلى الإفراج عن الثلاثة على أنّه شأن داخليّ بين حماس ومصر، لكنّنا نأمل أن تكون علاقة مصر بالفلسطينيّين عبر بوّابتهم الرسميّة، وهي السلطة، وليس مع الفصائل، ونرجو أن تمارس مصر ضغوطها على حماس لتحقيق المصالحة".

تزامن إفراج مصر عن الفلسطينيّين الثلاثة، مع ما شهدته الأسابيع الأخيرة من حراك مصريّ واضح لتثبيت التهدئة بين "حماس" وإسرائيل، دفع بالحركة إلى إصدار رسائل وديّة نحو مصر، إذ قال القياديّ لديها إسماعيل رضوان في 17 تشرين الثاني/نوفمبر: إنّ لقاءات الحركة إيجابيّة مع الجانب المصريّ للتخفيف عن شعبنا.

وفي 13 تشرين الثاني/نوفمبر، ثمّنت "حماس" الجهود المبذولة للتوصّل إلى وقف إطلاق النار مع إسرائيل، مؤكّدة الدور المصريّ الدؤوب.

وقال صحافيّ مصريّ متابع للشؤون الفلسطينيّة، أخفى هويّته، في حديث لـ"المونيتور": "إنّ توزيع خبر الإفراج عن المعتقلين الثلاثة وصورهم كان خطأ من حماس، فالموضوع حسّاس، ولم تفضّل الدوائر الأمنيّة المصريّة تناوله علانيّة، والتركيز عليه إعلاميّاً، وكان بالإمكان الاكتفاء باستقبالهم من دون تفعيل إعلاميّ، لأن تداول الخبر في الإعلام قد يفقد مصر جانبا من تأييد الفلسطينيين لها في غزة، ويظهرها أمامهم بأنها تعتقل الفلسطينيين المسافرين عبر معبر رفح، في حين أن مصر تحاول توسيع علاقاتها مع مختلف شرائح الفلسطينيين في قطاع غزة، رسمياً وشعبياً".

من جهته، قال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة الأمّة للتعليم المفتوح بغزّة حسام الدجني لـ"المونيتور": "إنّ توقيت إفراج مصر عن المعتقلين الثلاثة ليس عفويّاً، بل جاء عقب قيام حماس بخطوات عدّة طلبتها مصر منها، ولما قامت حماس بها، ردت عليها مصر إيجابا بإطلاق سراح عناصرها الموقوفين لديها، والخطوات هي: ضبط حدود غزّة وسيناء، الأمر الذي انعكس إيجاباً بمحاربة مصر للإرهاب، وفكّ ارتباط حماس بالإخوان المسلمين عبر وثيقتها السياسيّة في أيّار/مايو من عام ٢٠١٧، ورغبة حماس في إنجاح دور مصر بملفّات المصالحة والتهدئة، التي تعزّز دور مصر ومكانتها داخليّاً وخارجيّاً، وزيادة قوّة حماس وحسن إدارتها لغزّة".

وأخيراً، ترى "حماس" في إفراج مصر عن كوادرها خطوة متقدّمة في مسار تحسين علاقتهما، رغم عدم تطابق مواقفهما في كثير من القضايا، فحماس ترفض السلام مع إسرائيل ومصر تؤيده، واندفاع حماس في علاقتها مع إيران، ومصر تتحفظ على هذه العلاقة، لكنّ الواضح وجود رغبة مصريّة في تسكين جبهة غزّة بالتخفيف عنها، وتثبيت التهدئة بين "حماس" وإسرائيل، الأمر الذي يتطلّب من مصر إرضاء "حماس" بين حين وآخر، وإعطاءها بوادر حسن النيّة، ومنها الإفراج عن عناصرها المعتقلين في مصر.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : sinai peninsula, rafah crossing, abdel fattah al-sisi, hamas-egypt relations, egyptian security, hamas-iran relations, hamas security apparatus, hamas

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept