نبض فلسطين

إذاعة المنسّق الإسرائيليّ تسعى إلى زيادة نفوذه بين الفلسطينيّين

p
بقلم
بإختصار
في خطوة هي الأولى من نوعها، أطلق منسّق الحكومة الإسرائيليّة في الأراضي الفلسطينيّة بثّه الإذاعيّ للتواصل مع الفلسطينيّين، وسيكون البثّ أسبوعيّاً في المرحلة الأولى كلّ يوم خميس، على أن يصبح لاحقاً بثّاً يوميّاً، بهدف تلقّي مشاكل الفلسطينيّين، للمساهمة في حلّها... السطور التالية تناقش أسباب تأسيس هذه الإذاعة، وما إذا كان المنسّق الإسرائيليّ يسعى إلى توسيع رقعة مستمعيه من الفلسطينيّين، ومدى مشروعيّة المخاوف الفلسطينيّة من أنّ هذا البثّ يهدف إلى تجنيد العملاء في صفوف المخابرات الإسرائيليّة، وحجم الإقبال الفلسطينيّ على هذا البثّ.

تسعى السلطات الإسرائيليّة إلى زيادة نفوذها في الضفّة الغربيّة حيث تسيطر السلطة الفلسطينيّة، وفي قطاع غزّة حيث تدير حماس الأوضاع هناك. ويقوم بهذا الدور منسّق أنشطة الحكومة الإسرائيليّة في الأراضي الفلسطينيّة التابع إلى وزارة الدفاع الجنرال كميل أبو ركن، من خلال صفحته على الـ"فيسبوك" التي أنشأها سلفه الجنرال يوآف مردخاي منذ عام 2015.

وفيما وصل عدد متابعي صفحة المنسّق على الفيسبوك من الفلسطينيّين ممّن أبدوا إعجابهم بها، وعلّقوا على منشوراتها، وقاموا بمشاركتها، إلى 500 ألف متابع، من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، وفقا لما ذكره المنسق على صفحته يوم 30 ديسمبر، أطلق الصحافيّ الفلسطينيّ معتصم سقف الحيط من الضفّة الغربيّة في 26 كانون الأوّل/ديسمبر حملته #احنا_أو_المنسق، للتصدّي لصفحة المنسّق على الفيسبوك وتويتر وحساب انستقرام، ومنع الفلسطينيّين من التجاوب معها.

تمثّلت آخر وسائل تواصل المنسّق الإسرائيليّ في 20 كانون الأوّل/ديسمبر بإطلاقه البثّ الأوّل لراديو المنسّق على الإنترنت، كوسيلة جديدة للتواصل مع الفلسطينيّين، كلّ يوم خميس أسبوعيّاً، وفي مرحلة لاحقة في صورة يوميّة دون تحديد الموعد بدقة، وفي 27 كانون الأوّل/ديسمبر، أطلق البثّ الثاني، وفي 3 كانون الثاني/يناير، أطلق البثّ الثالث.

ركزت إذاعة المنسق في أسابيعها الثلاثة الماضية على بث الأغاني العربية القديمة لكبار المطربين مثل أم كلثوم وصباح فخري وعزيزة جلال وغيرهم، تحضيرا لبث برامج تعالج مشاكل الفلسطينيين، وتسعى في حلها عند بدء البث الكامل على مدار الساعة، الذي لم يتحدد موعده بعد.

أراد "المونيتور" خلال إعداده التقرير التعرّف على أهداف الإذاعة من مكتب المنسّق، لكنّ مكتب الإعلام الحكوميّ في غزّة يمنع الصحافيّين الفلسطينيّين من التواصل مع الجهات الإسرائيليّة، استناداً إلى قرار الحكومة الفلسطينيّة في غزّة في عام 2012.

قال صحافيّ عربيّ داخل إسرائيل، أخفى هويّته، مطّلع على مشروع إذاعة المنسّق، لـ"المونيتور" إنّ "إذاعة المنسّق ستعمل على استقبال مكالمات فلسطينيّة محلّيّة من الضفّة الغربيّة وغزّة، لإيجاد حلول لمشاكل الفلسطينيّين المتعلّقة باستخراج تصريح سفر إلى الخارج، أو البحث عن عمل، فيتمّ حلّ المشاكل مع الوزارات الإسرائيليّة، ممّا يسوّق الإذاعة بين الفلسطينيّين، ويوجد لغة مشتركة لهم مع إسرائيل، بعيداً عن واقع الاحتلال، كما تسعى الإذاعة إلى تهميش السلطة الفلسطينيّة وحماس معاً".

وقد دعت وزارة الشؤون المدنيّة التابعة إلى السلطة الفلسطينيّة في بيان رسمي صادر عنها يوم 3 كانون الثاني/يناير الفلسطينيّين إلى عدم التعامل المباشر مع المنسّق، لأنّ قنوات الاتّصال الرسميّ هي الوزارات الفلسطينيّة لتلبية حاجاتهم.

ربما جاء إطلاق إذاعة المنسّق منسجما مع نتائج استطلاع شبكة سوا الإذاعيّة للتنمية والمساءلة في الأراضي الفلسطينيّة، في عام 2016، وأشار إلى أنّ 92% من الفلسطينيّين يرون أنّ للإذاعات المحلّيّة تأثيراً على الرأي العامّ، ويرجّحون أنّ البثّ الإذاعيّ عبر الإنترنت هو مستقبل العمل الإذاعيّ، فعدد الإذاعات العالميّة التي تبثّ عبر الإنترنت يقترب من 11 ألفاً.

قال مدير مكتب الإعلام الحكوميّ في غزّة سلامة معروف، مؤسسة حكومية غير تابعة لأي تنظيم فلسطيني، لـ"المونيتور" إنّ "التعاطي الشعبيّ الفلسطينيّ مع إذاعة المنسّق ليست كبيرة". وأضاف: "وأتوقّع أن يكون الإقبال الفلسطينيّ عليها ضعيفاً، لكنّنا لا نملك أدوات فنّيّة تشوّش عليها، إمكاناتنا بزيادة جرعة الوعي لدى جمهورنا الفلسطينيّ تجاه خطورة الإذاعة، وإبعاده عن متابعتها".

ما يمنح إذاعة المنسّق الإسرائيليّ أهمّيّة جدّيّة أنّ الإذاعة المحلّيّة في الأراضي الفلسطينيّة تحظى بمتابعة كثير من الفلسطينيّين، باعتبارها الوسيلة الأبرز للحصول على المعلومة، على الرغم من التطوّر التكنولوجيّ وتميّز وسائل التواصل الاجتماعيّ في نقل الأحداث، لكنّ الإذاعة ما زالت المحور الرئيسيّ لتشكيل وعي الفلسطينيّين.

ربّما يدرك المنسّق الإسرائيليّ أنّ إذاعته تستطيع الوصول إلى أكبر شريحة من الفلسطينيّين، منها السيّدات في منازلهنّ، والشباب في المقاهي، وسائقو المركبات العامّة، مع وجود قرابة 70 إذاعة محلّيّة في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، تحظى بمتابعة حثيثة من قبل قطاعات واسعة من الفلسطينيّين.

قال معدّ ومقدّم برامج في إذاعة صوت الأقصى في غزّة التابعة لحماس وائل جروان لـ"المونيتور" إنّ "إذاعة المنسّق تهدف إلى أن تكون أكثر قرباً من الفلسطينيّين، وهي خطيرة جدّاً، فموادها المعروضة المتوقّعة أقرب إلى المزاج الفلسطينيّ، فهي لن تكتفي ببرامج سياسيّة، بل تبثّ الأغنيات والمنوّعات، وتناقش الاهتمامات الاجتماعيّة لاستقطاب المتابعين، وستضع أرقام اتّصال مجّانيّة، ممّا سيجعل الفلسطينيّين يقبلون عليها تدريجيّاً، لأنّها تلامس ما يحتاجونه. المطلوب من وزارة الاتّصالات الفلسطينيّة في غزّة التشويش على الإذاعة، وحظرها عن منصّات التواصل".

عمار الدقش، مدير إذاعة صوت الشعب بغزة التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، قال "للمونيتور" أنه "رغم خطورة إذاعة المنسق في محاولتها الاقتراب من الفلسطينيين، لكن شعبنا لديه من الوعي الأمني والسياسي، ما يبدد أي مخاطر تشكلها الإذاعة.هذا لا ينفي ضرورة قيام القوى السياسية الفلسطينية بحملات توعية للجمهور الفلسطيني للتحذير من التجاوب مع هذه الإذاعة، والاتصال بها".

يمكن اعتبار إذاعة المنسّق الجديدة محاكاة لتجربة الإذاعة الإسرائيليّة باللغة العربيّة في السبعينيّات والثمانينات واستعادة لها، حيث بثّت برامج مثل استوديو رقم واحد، أريد حلاًّ، على ذوقي، وملفّات القضاء، وحظيت بمتابعة آلاف الفلسطينيّين والعرب من الدول المجاورة.

تأتي إذاعة المنسّق استكمالاً لاستخدام المنسّق الإسرائيليّ التكنولوجيا المتطوّرة إلى جانب صفحته على الـ"فيسبوك"، وتطبيقات الهواتف الذكيّة، وشبكات الإنترنت اللاسلكيّ في قاعات الانتظار عند الحواجز والمعابر في الضفّة الغربيّة، وتطبيق تيليغرام للتواصل مع الفلسطينيّين.

قال خبير الشؤون الإسرائيليّة في مركز رؤية للتنمية السياسيّة في تركيا عماد أبو عوّاد لـ"المونيتور" إنّ "إذاعة المنسّق تسعى إلى كسر الحواجز بين إسرائيل والفلسطينيّين، وزيادة تعاطيهم مع الإدارة المدنيّة الإسرائيليّة، والتأسيس للسلام الاقتصاديّ بين الجانبين، فالكثير من الفلسطينيّين همّهم الحصول على تصريح عمل، ورخصة بناء، ودعم زراعيّ، وتأمل إذاعة المنسّق أن تنشئ علاقة منفتحة بين إسرائيل والفلسطينيّين، وللأسف فإنّ فرصة وجود نسبة مستمعين فلسطينيّين لها ستكون جيّدة، لأنّها ستركّز على تحسين أمورهم الحياتيّة".

أعلن موقع المجد الأمنيّ في غزّة القريب من حماس في 2 كانون الثاني/يناير أنّ إذاعة المنسّق تهدف إلى متابعة المعلومات والأخبار الخاصّة بالفلسطينيّين، وسيستخدمها لبثّ روايته المستندة إلى رؤية الجيش الإسرائيليّ، الإذاعة تعمل وفق أجندة أمنيّة، وتتركّز أعمالها على إسقاط الفلسطينيّين وتجنيد العملاء، ممّا يعني أنّها تشكّل خطراً عليهم، لأنّ هناك فريقاً كاملاً يساند المنسّق في عمل الإذاعة، وتحليل المكالمات المتوقّعة من المستمعين.

أخيراً... تشكّل إذاعة المنسّق تحدّياً جديداً أمام السلطة الفلسطينيّة وحماس معاً، فهي تعلن أنّها تسعى إلى تحقيق حاجات الفلسطينيّين المعيشيّة والاقتصاديّة، في وقت تواجه هاتان الجهتان أزمات ماليّة وضغوطاً اقتصاديّة خانقة، ممّا سيدفع الفلسطينيّين إلى متابعتها رغبة في تحسين أوضاعهم، على الرغم من علمهم بالمخاطر التي قد تحملها الإذاعة لاستهدافهم، أو تجنيدهم في صفوف المخابرات الإسرائيليّة.

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept