نبض فلسطين

"فتح" تنشط سياسيّاً في لبنان وتطوّر علاقاتها مع "حزب الله"

p
بقلم
بإختصار
شهدت الساحة اللبنانيّة في الأشهر الماضية، حراكاً سياسيّاً لحركة "فتح"، يتمثّل بتوالي زيارة المسؤولين في الحركة للبنان، وعقد اجتماعات مع نظرائهم السياسيّين والأمنيّين والأحزاب اللبنانيّة والفصائل الفلسطينيّة.

رام الله – الضفّة الغربيّة: عقد عضو اللجنة المركزيّة لحركة "فتح" وعضو اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير عزّام الأحمد سلسلة لقاءات في العاصمة اللبنانيّة بيروت، أبرزها مع رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون في 16 كانون الثاني/يناير ورئيس مجلس النوّاب اللبنانيّ نبيه بري والرئيس المكلّف سعد الحريري ونائب الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم في 17 كانون الثاني/يناير، وقائد الجيش اللبنانيّ العماد جوزاف عون في 19 كانون الثاني/يناير، تمّت خلالها مناقشة الأوضاع السياسيّة في فلسطين وأوضاع اللاّجئين والمخيّمات الفلسطينيّة في لبنان.

وكان لافتاً لقاء حركة "فتح" بـ"حزب الله" اللبنانيّ، الأمر الذي يشير إلى تطوّر العلاقة بينهما، خصوصاً في الملفّات المرتبطة باللاّجئين الفلسطينيّين في المخيّمات، على صعيديّ ضرورة تحسين أوضاعهم المعيشيّة والمحافظة على استقرار المخيّمات من الناحية الأمنيّة.

كانت العلاقة ضعيفة بين الطرفين نظرا لان حركة فتح التي تقود السلطة كانت تجري مفاوضات مع اسرائيل وتخوض عملية سياسية برعاية الولايات المتحدة الامريكية، وكان حزب الله ينتقد المفاوضات في اطارها السياسي، في حين كانت علاقة حزب الله والجهاد الاسلامي وهما الحزبين الذين يعدان معارضان لحركة فتح على علاقة قوية مع حزب الله ويتلقيان دعما منه، وهو الامر الذي كان يغضب السلطة وحركة فتح.

وفي هذا الإطار، قال أمين سرّ حركة "فتح" في لبنان وفصائل منظّمة التحرير في لبنان اللواء فتحي أبو العرادات لـ"المونيتور": "علاقتنا مع حزب الله طبيعيّة وفي تطوّر نحو الأفضل، إذ نلتقي معه في القضايا المتعلّقة بأمن المخيّمات واستقرارها، وإحقاق الحقوق المدنيّة للفلسطينيّين الذين يعيشون في المخيّمات بلبنان".

وحسب معلومات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الاونروا فأنه يوجد في لبنان 483 الف لاجئ فلسطيني مسجلين لديها، الكثير منهم يعيش في المخيمات الإثنى عشر الموجودة في لبنان والذي يعد مخيم عين الحلوة اكبرها، وهو رقم يتناقض بشكل كبير مع ما نشره الاحضاء المركزي اللبناني في كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2017 والذي قال أنّ عدد اللاّجئين الفلسطينيّين بلغ 174 ألف لاجئ، وما قد يشير الى هجرة الاف اللاجئين الى خارج لبنان خلال السنوات الماضية.

وحسب الاونروا "لا يتمتع اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بحقوق مدنية أو اجتماعية، وعلاوة على ذلك، فهم لا يتمتعون أيضا بالحق في العمل في ما يزيد على 20 وظيفة، واللاجئون الفلسطينيون في لبنان ليسوا مواطنين رسميين لدولة أخرى، وهم بالتالي غير قادرين على اكتساب نفس الحقوق التي يتمتع بها الأجانب الذين يعيشون ويعملون في لبنان".

وتعاني المخيمات من ظروف غاية في الصعوبة نظرا لعدم وجود بنى تحتية مناسبة في المخيم، الى جانب الاكتظاظ السكاني، وارتفاع نسبة الفقر بينهم، نتيجة البطالة في صفوفهم ما ينعكس على تردي الاوضاع الصحية والتعليمية.

يعد حزب الله ابرز الاحزاب ذات الثقل السياسي والامني في لبنان، ولعل هذا ظهر في فوزه مع حلفاءه في اخر انتخابات لبنانية نيابية حصل خلالها على اكثر من نصف المقاعدن.

والى جانب النفوذ الذي يتمتع به حزب الله في لبنان بشكل عام، وتحديدا في جنوب لبنان التي تقع فيها ابرز مخيمات اللاجئين الفلسطينيين مثل عين الحلوة، بات الدور السياسي الذي يلعبه الحزب سواء في البرلمان او في الحكومة حيث حصل في الحكومة الاخيرة على 3 وزارات جاذبا لحركة فتح ومنظمة التحرير لتقوية العلاقة معه سياسيا نظرا للدور الذي يمكن ان يسهم به في احتواء اي اشكالية قد تنشب في المخيمات.

وتسعى منظمة التحرير الى استتباب الامن والهدوء والمحافظة على الاستقرار في المخيمات كما هو قائم في الوقت الراهن، وهو الامر الذي ترغب به الحكومة اللبنانية والاحزاب، كما ان المنظمة تسعى الى تحسين الشروط المعيشية والاجتماعية للاجئين الفلسطينيين في المخيمات، وهو الامر الذي لا يمكن ان يتم دون موافقة الاطراف اللبنانية جميعها وهو الامر الذي تسعى الى تحقيقه.

ويذكر أنّ عزّام الأحمد أعلن في 6 كانون الثاني/يناير من عام 2018 خلال لقاء مع إذاعة "مونت كارلو" لقاءه مع الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصر الله، الذي أكّد له دعمه النضال الفلسطينيّ الشعبيّ السلميّ، من دون الكشف عن المزيد.

وتعود بداية علاقة حركة فتح مع حزب الله، الى سبعينات القرن المنصرم، حين كانت حركة فتح تدرب وتضم في صفوفها بعض الشباب من الطائفة الشيعية في جنوب لبنان، والذين انخرطوا لاحقا في صفوف حزب الله ومن اشهرهم عماد مغنية الذي بدأ حياته في صفوف الحركة حين كان عمره 16 عاما.

وتجمع المصادر ان حزب الله تشكل بعد اجتياح اسرائيل للبنان عام 1982 من افراد انشقوا عن حركة امل الشيعية وهو ذات العام الذي شهد خروج حركة فتح وفصائل منظمة التحرير من بيروت الى تونس، حيث بقيت الاتصالات بينهم مع بعض القادة في حزب الله كعماد مغنية والتي كانت ترتفع حينا وتنخفض حينا خاصة مع توقيع اتفاق اوسلو، لكن ومع اندلاع انتفاضة عام 2000، ظهرت مؤشرات عن دعم حزب الله لبعض المجموعات في كتائب شهداء الاقصى الجناح العسكري لحركة فتح بالسلاح والمال.

وبعد مرحلة الرئيس عرفات خفتت العلاقة بين الطرفين رسميا لان البرنامج الرئيسي الذي اعلنه الرئيس محمود عباس انذاك كان قائما على انهاء الانتفاضة المسلحة، وعدم رغبته بقتال اسرائيل، وقد قام بعد ذلك بتفكيك وانهاء كتائب شهداء الاقصى التابعة لحركة فتح في الضفة الغربية باتفاق مع اسرائيل، لتعود وتتطور بينهما في ظل التحديات الامنية التي تعصف بالمخيمات الفلسطينية في لبنان التي تعد فتح الحركة الاقوى فيها، وذلك لحرص الطرفين على تجنيب المخيمات اي ظروف تؤدي الى اشتعالها خشية ان تنشأ في المخيمات مجموعات مسلحة متشددة تسعى الى تخريب حالة الهدوء في المخيمات كما حدث في مخيم نهر البارد الذي شهد معارك كبيرة عام 207 بسبب وجود جماعة فتح الاسلام، حيث تدخل الجيش اللبناني للقضاء على الجماعة ما ادى الى تدمير المخيم، وهذا امر اثار مخاوف حركة فتح باعتبارها الحزب المسيطر على منظمة التحرير والسلطة، من تكرار التجربة في مخيمات اكثر اهمية كمخيم عين الحلوة على سبيل المثال.

وكان الرجل الثاني في حركة "فتح" عضو اللجنة المركزيّة محمود العالول زار لبنان للمرّة الأولى منذ خروج منظّمة التحرير وحركة "فتح" من لبنان خلال عام 1982، بعد الاجتياح الاسرائيلي الى بيروت ومحاصرتها، في 24 آب/أغسطس من عام 2018، حيث التقى مسؤولين لبنانيّين وفلسطينيّين، وأكّد حرص الفلسطينيّين على حفظ أمن المخيّمات واستقرارها، ومنع تحويلها إلى ملاذ للمطلوبين للأمن اللبنانيّ أو الجماعات المسلّحة المتشدّدة.

وقال مصدر في حركة "فتح" في الضفة الغربية رفض الكشف عن هويّته، لـ"المونيتور": "إنّ القيادة الفلسطينيّة لديها مخاوف من نيّة الإدارة الأميركيّة خلق توتّرات أمنيّة في المخيّمات الفلسطينيّة بلبنان لإحداث فوضى فيها ضمن مسعاها إلى تصفية قضيّة اللاجئين" في اشارة الى نية الولايات المتحدة تطبيق صفقة القرن، والتي بناء عليها اتخذ الرئيس الامريكي دونالد ترامب قراره بوقف تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الاونروا) وهو الأمر ذاته الذي حذّرت منه حركة "حماس" في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2018.

وشهدت المخيّمات الفلسطينيّة في لبنان خلال عام 2018 أحداثاً أمنيّة خطيرة، أبرزها وقوع اشتباكات مسلّحة في تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2018 بمخيّم "الميّة وميّة" الواقع قرب مدينة صيدا جنوب لبنان، بين مسلّحي حركة "فتح" و"جماعة أنصار الله" التي يقودها الفلسطيني جمال سليمان والذي تدخل حزب الله وحركة امل من اجل اخراجه من المخيم وتهدئة الاوضاع الامنية هناك، سبقتها اشتباكات مسلّحة بين مسلّحي حركة "فتح" وحركة "جند الشام" المتشدّدة في مخيّم "عين الحلوة" جنوب لبنان بشباط/فبراير من عام 2018، سبقتها محاولة اغتيال القياديّ في "حماس" محمّد حمدان بـ14 كانون الثاني/يناير من عام 2018 بمدينة صيدا، وأعلن الجيش اللبنانيّ في 23 كانون الثاني/يناير من عام 2019 عن إلقاء القبض على أحد المشاركين في عمليّة الاغتيال. ولقد اعترف بأنّه يعمل لصالح المخابرات الإسرائيليّة.

أشار القياديّ في "فتح" وأمين سرّ فصائل منظّمة التحرير السابق في لبنان سلطان أبو العينين لـ"المونيتور": "إنّ العلاقة مع حزب الله لا بدّ أن تكون مميّزة، لأنّ له تأثيراً وقوّة سياسيّة وميدانيّة كبيرة في لبنان، وهو يعتبر معاناة الفلسطينيّين جزءاً من همومه واهتماماته".

وكان الامين العام لحزب الله حسن نصر الله قد اشاد في لقاءه مع فضائية الميادين في 26 كانون ثاني/يناير بالموقف الفلسطيني الرافض لصفقة القرن، مؤكدا ان الحزب لديه علاقات جيدة مع جميع الفلسطينيين بما فيهم حركة فتح والسلطة الفلسطينية ممثلة بسفارتها في لبنان، قائلاً "على ضوء نقل السفارة الى القدس استقبلت كل الفصائل الفلسطينية، أيضاً جاء وفد من فتح من رام الله. إذاً نحن حزب الله علاقتنا مع كل الفصائل دون استثناء".

من جهته، لفت فتحي أبو العرادات إلى أنّ "التعاون مع السلطات اللبنانيّة أثمر في تجاوز الكثير من الأزمات الأمنيّة، التي كانت تهدف إلى تفجير المخيّمات من دون الكشف عن هويّتها"، وقال: "إنّ الأوضاع في المخيّمات الآن أفضل، لكنّ أسباب التوتّر ما زالت موجودة بدرجة أقلّ من السابق".

ويثير الخلاف القائم بين حركة "فتح" والتيّار الذي يقوده القياديّ المفصول من الحركة محمّد دحلان مخاوف من انعكاس آثاره على أوضاع المخيّمات في لبنان، خصوصاً في ظلّ وجود قاعدة وعناصر مؤيّدة لمحمّد دحلان.

وفي 31 كانون اول/ديسمبر 2018 وجّه القياديّ العسكريّ محمود عيسى المعروف بـ"اللينو" والمؤيّد لدحلان خلال مهرجان خطابيّ احتفالي نظمه التيار الاصلاحي التابع لدحلان تهديداً لحركة فتح التي يقودها الرئيس عباس اتّهم فيه مسؤولاً كبيراً في "فتح" (لم يذكر اسمه) بأنّه أخبر الرئيس محمود عبّاس بأنّ لديه مفاجأة للقضاء على حركة "حماس" وتيّار دحلان، قائلاً: إنّ أيّ يدّ ستمتدّ إلينا سنقطعها.

أحمد ملحم صحفيٌ ومصورٌ فلسطيني مقيم في رام الله، ويعمل لحساب صحيفة الوطن وعدد من وسائل الاعلام العربية.

x
keyboard_arrow_up

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept