نبض فلسطين

زخارف المباني التاريخيّة في فلسطين... تروي سيرة من المعتقدات الشعبيّة

p
بقلم
بإختصار
بهدف الحفاظ على الموروث الثقافيّ الفلسطينيّ من الاندثار، والذي تعدّ المعتقدات الشعبيّة أحد أركانه، تبحث ابتسام سليمان من أقصى شمال فلسطين إلى أقصى جنوبها عن الرموز والزخارف التي زيّنت مباني منازل الفلسطينيّين على مرّ الأزمنة، في محاولة لتوثيقها وتأريخها ومعرفة دلالاتها الشعبيّة.

رام الله – الضفّة الغربيّ: على الرغم من ندرة المراجع والوثائق التي تؤرّخ الرموز والزخارف التي تزيّن جدران المنازل والمقامات والآثار في فلسطين على مختلف الحقبات الزمنيّة، إلّا أنّ شغف فكّ طلاسمها ومعرفة دلالاتها خلق روح التحدّي والبحث عنها لدى أستاذة التاريخ والجغرافيّا ابتسام سليمان منذ 20 عاماً.

وبدأت سليمان رحلتها في توثيق الزخارف والرموز على جدران الأبنية القديمة وبقايا الآثار في فلسطين منذ بدء دراستها في جامعة بيرزيت في عام 1986 في تخصّص دراسات شرق أوسطيّة، من خلال التقاط الصور لهذه الأبنية والاحتفاظ بها.

في أواسط تسعينيّات القرن الماضي، ولد شغف ابتسام في تحليل الرموز والزخارف على تلك الأبنية ودلالاتها، وارتباطها بالمعتقدات الشعبيّة المحلّيّة، والموروث الثقافيّ الشعبيّ.

في 10 كانون الثاني/يناير، استقبلت سليمان مجموعة من الفتية والفتيات لإلقاء محاضرة حول قراءة الرموز الموجودة على الأبنية التاريخيّة والمناطق الأثريّة والمقامات، وتوضيحها بالصور التي التقطتها في مناطق مختلفة من فلسطين، مثل عبدات في النقب، دير استيا، الطيبة، عرابة، بيت ساحور، بيت أمر، بيرزيت، رام الله، عين كارم، يبرود، بتين، نابلس، القدس، مأمن الله، الزبابدة، رابا، راس كركر، وسلواد وجفنا، ضمن برنامج الموروث الثقافيّ الذي تعقده مكتبة الأطفال والناشئة في مبنى المحكمة العثمانيّة التابعة إلى بلديّة رام الله في وسط الضفّة الغربيّة، إذ تقول سليمان لـ"المونيتور" إنّها تهدف إلى الحفاظ على الموروث الثقافيّ الفلسطينيّ وتعريف اليافعين بأهمّيته والتمسّك به.

وأقامت سليمان خلال السنوات الماضية نحو 8 معارض مختلفة في رام الله وعكا ومدن الضفة، وتدرس حاليّاً إصدار كتاب يرصد هذه الرموز والزخارف ومعانيها، في حال توافر الدعم والتمويل اللازمين لهذا المشروع.

وتتنوّع الزخارف والرموز التي وضقتها سليمان في صورها، حيث يأخذ بعضها أشكالاً هندسيّة، وبعضها رموزاً نباتيّة، إضافة إلى الرموز الدينيّة.

وعن أهمّ الرموز ودلالاتها، تقول سليمان: "تعدّ النجمة السداسيّة رمزاً مستخدماً في الأبنية القديمة، كونها تصنّف إرثاً كنعانيّاً يرمز إلى آلهة الخصب، والتي ارتبطت في تلك الحقبة الزمنيّة بجلب الخير".

وتلجأ سليمان إلى قراءة عشرات الكتب والمقالات والوثائق الورقيّة والإلكترونيّة عن الموروث الثقافيّ في فلسطين في الحقبات الزمنيّة القديمة، وكذلك الأساطير والروايات والمعتقدات، وارتباطها بالبناء والزخارف والرموز، لمساعدتها في فهم معاني الرموز التي توثّقها على الأبنية وحلّها، خصوصاً أنّها لا تزال لا تعلم معاني المئات منها، بسبب ندرة المراجع.

وتقول سليمان: "المراجع التي أعتمد عليها قديمة وقليلة، وتتمثّل في بعض المخطوطات الكنعانيّة، لأنّه لا توجد كتب خاصّة بهذا المجال، كما لا يوجد باحثون مهتمّون بالرموز وتحليلها".

وتوظّف سليمان عملها كمدرّسة لمادّتي التاريخ والجغرافيا في مدرسة الكاثوليك في رام الله في وسط الضفّة الغربيّة، لنقل شغفها بالرموز والزخارف إلى طلبتها، كما توظّف موقع التواصل الاجتماعيّ "فيسبوك" لذلك الغرض من خلالصفحةتديرها باسم "فلسطين بعيون فلسطينيّة"، وعملها كمنسّقة مسارات لفريق "امشي واتعرّف على بلدك" الذي ساهمت في تأسيسه في عام 2012، لتنظيم تجوالات للطلّاب في مناطق فلسطينيّة مختلفة.

وتعكس الرموز والزخارف على الأبنية والآثار جزءاً من المعتقدات الشعبيّة التي كانت سائدة في كلّ حقبة زمنيّة، كما يمثّل بعضها ممارسات اجتماعيّة، مثل تحضير العجينة للعروس، ووضعها على ورقة العنب أو التوت، لتقوم العروس بطباعتها بيدها على باب البيت قبل أن تدخل عليه، لاعتقادهم أنّ في ذلك خيراً، حسب سليمان.

ولعبت البيئة الزراعيّة والثقافيّة والدينيّة والاقتصاديّة دوراً مهمّاً في تحديد ماهيّة الرموز والزخارف المستخدمة في كلّ مدينة وأشكالها وميزها عن بعضها البعض، فامتازت الأبنية في مدن رام الله وبيت لحم وبيت جالا وبلدة الطيبة بالزخارف والرموز الدينيّة المسيحيّة كالصليب أو صورة العذراء، في حين انتشرت الرموز الدينيّة كالآيات القرآنيّة على البيوت القديمة في قرية كور في طولكرم في شمال الضفّة الغربيّة والتي تعود حقبتها إلى الفترة المملوكيّة والعثمانيّة، بينما انتشرت في المدن القريبة من المناطق السهليّة كسهل مرج ابن عامر او الحقول الزراعية النقوش والزخارف النباتيّة، أهمّها الأقحوان والتي أسماها الكنعانيّون "الوردة الذهبيّة".

كما امتاز بعض المناطق الزراعيّة في فلسطين بالزخارف التي تشير إلى نوع المزروعات التي كانت موجودة لدى الفلسطينيّين، فالكثير من الأبنية في بلدات محافظة رام الله وبيت لحم والناصرة كانت تتزيّن مداخلها بعناقيد العنب لانتشار مزارع العنب فيها، حسب سليمان.

وتضيف سليمان: "المنازل التي كانت تضع على مدخلها صحناً وملعقة كانت تعني بذلك دعوة للضيوف والغرباء إلى زيارة هذا البيت وتناول الطعام وطلب ما يحتاجون من مساعدة".

وأوضحت سليمان: "في مناطق جنوب فلسطين ووسطها انتشرت الأشكال الهندسيّة على المنازل، فكانت النجمة الخماسيّة توضع لمنع الحسد، والنجمة السداسيّة لطلب الخير كونها تمثّل آلهة الخصب، وهذه الرموز تلاحظ على المباني في موقع عبدات في النقب والتي تعود إلى حقبة الأنباط".

وتنوّعت الرموز الكتابيّة على الأبنية بين أبيات شعر، أو آيات من القرآن أو الإنجيل أو اسم الشخص الذي قام بالبناء أو تاريخ بنائه، ممّا يدلّل على تاريخ العائلات في فلسطين وامتداد حياتها، لافتة إلى أنّ "الحقبات الرومانيّة والكنعانيّة والإسلاميّة وخصوصاً الفترة الأمويّة والعبّاسيّة زخرت بالرموز والزخارف".

وارتبطت الزخارف والرموز بالمستوى الاقتصاديّ والمعيشيّ لأصحابها، إذ تقول سليمان: "تميّزت منازل الإقطاعيّين والأغنياء بكثرة الرموز والزخارف المنوّعة عن غيرهم من عامّة الناس أصحاب الدخل المحدود الذين تقلّ لديهم الزخارف على جدران منازلهم وتقتصر على الرموز الدينيّة".

20 عاماً أمضتها سليمان في رحلة البحث عن الرموز والزخارف وتوثيقها، وشغفها لم يقل بل يزداد لمواصلة عملها، خصوصاً في البحث عن معانيها ودلالاتها وتوثيقها في كتاب،للمحافظة على الهويّة التاريخيّة للحضارة الفلسطينيّة من الاندثار، وبعث الحياة في الموروث الثقافيّ الفلسطينيّ على مرّ العصور والذي تنعكس بعض جوانبه في تلك الزخارف.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

أحمد ملحم صحفيٌ ومصورٌ فلسطيني مقيم في رام الله، ويعمل لحساب صحيفة الوطن وعدد من وسائل الاعلام العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept