نبض مصر

سينمائيّاً... كيف أصبحت مصر بلا قارّة؟

p
بقلم
بإختصار
مع تولّي مصر رئاسة الاتحاد الإفريقيّ وانعقاد عدد من الفعاليّات الثقافيّة والفنيّة الخاصّة بالسينما بين مصر ودول الاتحاد الإفريقيّ، يأمل العديد من النقّاد وصنّاع السينما في أن تسهم تلك الفعاليّات في تحقيق تعاون حقيقيّ بمجال السينما، بينما يظنّ آخرون أنّ التعاون ما زال صعباً أن يتحقّق.

القاهرة – مع تولّي مصر رئاسة الاتحاد الإفريقيّ في عام 2019، تسعى الدولة إلى التوسّع في التعاون مع الدول الإفريقيّة بمجالات الاستثمار والبنية التحتيّة، وربّما الإنتاج التلفزيونيّ والسينمائيّ وكرة القدم أيضاً. ويأمل العديد من صنّاع السينما بين مخرجين وممثّلين ومنتجين أن يتّسع مجال التعاون بين مصر وإفريقيا من مجرّد عرض الأفلام المصريّة في إفريقيا والأفلام الإفريقيّة في مصر إلى مجال الإنتاج المشترك.

واختتمت الدورة الثامنة لمهرجان الأقصر للسينما الإفريقيّة فعاليّاتها بـ21 آذار/مارس، بعد أن انطلقت بـ15 من الشهر نفسه، بحضور 150 سينمائيّاً إفريقيّاً بارزاً من 47 دولة إفريقيّة مختلفة، وكرّمت إدارة المهرجان في تلك الدورة المخرج التشاديّ محمّد صالح هارون، وهو مخرج فيلميّ "موسم الجفاف" (2006) الحاصل على الجائزة الخاصّة للجنة التحكيم في مهرجان "البندقيّة" السينمائيّ الدوليّ و"الرجل الصارخ" (2010) الحاصل على الجائزة الخاصّة للجنة التحكيم في مهرجان "كان" السينمائيّ الدوليّ، ليكون بذلك المخرج التشاديّ الأوّل الذي يدخل قائمة المخرجين الحاصلين على جوائز من مهرجان "كان".

وانعقدت الدورة الثامنة من المهرجان برعاية وزيرة الثقافة المصريّة إيناس عبد الدايم، التي قالت في تصريحات صحافيّة، على هامش افتتاح المهرجان بـ15 آذار/مارس: إنّه شرف لمصر أن تستضيف مهرجان الأقصر للسينما الإفريقيّة، بالتوازي مع حدثين آخرين، هما: ملتقى أسوان العربيّ الإفريقيّ للشباب واحتفالات مصر الفنيّة والثقافيّة بتولّي رئاسة الاتحاد الإفريقيّ خلال عام 2019.

وكانت مديرة المهرجان عزّة الحسيني أشارت في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ للدورة الثامنة أهميّة خاصّة لأنّها الدورة الأولى بعد تولّي مصر رئاسة الاتحاد الإفريقيّ، متمنّية ألاّ يكون المهرجان مجرّد حدث معتاد، آملة هي وإيناس عبد الدايم أن يكون المهرجان ملتقى يجمع السينمائيّين المصريّين بالأفارقة ليكون انطلاقة للتعاون بين السينما المصريّة والإفريقيّة.

ومع تولّي مصر رئاسة الاتحاد الإفريقيّ، عادت شاشات دور العرض المصريّة تضوّي بالأعمال السينمائيّة الإفريقيّة. كما عادت الأفلام المصريّة تشغل حيّزاً في دور العرض الإفريقيّة، حيث واصل نادي السينما الإفريقيّة المصريّ (أحد برامج مهرجان الأقصر للسينما الإفريقيّة)، بدعم من وزارة الثقافة المصريّة، عرض روائع السينما الإفريقيّة في القاهرة كلّ يوم سبت على مدار شهر آذار/مارس مع ندوة عقب كلّ عرض عن مستقبل التعاون السينمائيّ بين مصر ودول الاتحاد الإفريقيّ، وكانت العروض الأولى فيلم "ولاي" البوركيني في 2 آذار/مارس و"التحدّي" الكاميروني في 9 آذار/مارس. كما عرض عدد من روائع السينما المصريّة في سفارات مصر بالعواصم الإفريقيّة مع سلسلة ندوات تلي كلّ عرض، وأتت تلك العروض والمناقشات تحت عنوان "أسبوع الفيلم المصريّ" من 22 إلى 29 آذار/مارس

وعن تاريخ التعاون بين السينمائيّين المصريّين والسينمائيّين الأفارقة، قال الناقد السينمائيّ في عدد من الصحف المصريّة كمال رمزي لـ"المونيتور": إنّ السينما المصريّة لم تكن حاضرة في الخمسينيّات والستينيّات من القرن الماضي في صورة تعاون مع السينمائيّين الأفارقة لأنّ الدول الإفريقيّة بغالبيّتها كانت حديثة الاستقلال ولم تنشأ لديها صناعة سينما احترافيّة، إلاّ أنّ السينما المصريّة كانت حاضرة في صورة عرض الأفلام المصريّة في تونس والمغرب والجزائر والسودان وغيرها من دول جنوب إفريقيا وكانت نواة وعي الأفارقة على صناعة السينما.

وأشار إلى أنّه بالتزامن مع استقرار دول إفريقيا ونهوض صناعة السينما في بعض البلدان الإفريقيّة مثل نيجيريا وموريتانيا وتشاد وتونس والجزائر حصل جفاء في العلاقة والتعاون بين مصر ودول إفريقيا بغالبيّتها، وأسفر ذلك عن عدم التعاون، إلاّ في صورة محاولات واجتهادات فرديّة تركّزت في الدول الإفريقيّة – العربيّة، وكان من أبرز تلك الاجتهادات تصوير فيلميّ "العصفور" و"عودة الابن الضال" من إخراج يوسف شاهين في الجزائر بمشاركة مؤسّسة السينما الجزائريّة الأونسك في الإنتاج ومشاركة عدد بسيط من النجوم وصنّاع السينما الجزائريّين مثل الممثّل الجزائريّ سيّد علي كويرات.

كما تمّ تصوير فيلم "أفريكانو" خلال عام 2001 في جنوب إفريقيا بمشاركة عدد بسيط من صنّاع السينما وفنّاني جنوب إفريقيا في مواقع مساعدي ومنفّذي الإنتاج وفي بعض الأدوار الثانويّة مثل دور "زينجا"، وقامت به "تمارا نجوزي" الجنوب إفريقيّة، وعاودت التمثيل في إنتاج مصريّ بدور أكبر في فيلم "مراتي وزوجتي" خلال عام 2014. كما حظي عدد محدود من النجوم الأفارقة بمكانة كبرى نتيجة العمل في مصر، أبرزهم المخرج السودانيّ سعيد حامد، والتونسيّون: درة زروق، هند صبري، وظافر العابدين.

وعن أسباب الجفاء وعدم التعاون، أشار الناقد السينمائي نادر عدلي خلال حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ الجفاء وعدم التعاون كانا لأسباب سياسيّة لا لأسباب ثقافيّة أو سينمائيّة، موضحاً أنّ ثمّة أفارقة يرون أنّ مصر تخلّت عن قضاياهم ودعمهم بين عاميّ 1967 و1973 عندما انشغلت بحربها ضدّ إسرائيل بعد أن كانت الداعم الأكبر اقتصاديّاً وثقافيّاً لأغلب البلاد الإفريقية للاستقلال أو لإعادة الإعمار بعد الاستقلال في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وقال: إنّ الدول الإفريقيّة - العربيّة مثل تونس والمغرب والجزائر قاطعت مصر بسبب اتفاقيّة السلام بينها وبين إسرائيل خلال عام 1978.

ولفت إلى أنّ السينما الإسرائيليّة حلّت تدريجيّاً محلّ السينما المصريّة في إفريقيا، الأمر الذي دفع بالسينمائيّين المصريّين إلى اتخاذ موقف ضدّ السينمائيّين الأفارقة بسبب تعاونهم مع إسرائيل، وتزامن ذلك مع محاولة اغتيال الرئيس الأسبق محمّد حسني مبارك خلال عام 1995 في العاصمة الإثيوبيّة أديس أبابا بتدبير من القيادة السودانيّة، لافتاً إلى أنّه لم تكن هناك توجيهات رسميّة من مصر أو أيّ دولة إفريقيّة بذلك الجفاء، إلاّ أنّ ضعف وعي السينمائيّين المصريّين والأفارقة أدّى إلى الخلط بين ما هو سياسيّ وما هو فنيّ، معتبراً أنّ رئاسة مصر للاتحاد الإفريقيّ فرصة لتعميق التعاون وتجاوز الخلافات السابقة.

واختلف معه في الرأي الناقد والمؤرّخ السينمائيّ محمود قاسم، إذ قال لـ"المونيتور": إنّ رئاسة مصر للاتّحاد الإفريقيّ وتبادل عرض الأفلام المصريّة والإفريقيّة بين مصر والعواصم الإفريقيّة والتقاء السينمائيّين المصريّين والأفارقة في مهرجان السينما الإفريقيّة ستكون مفيدة لصنّاع السينما الراغبين في صناعة أفلام نوعيّة ومتميّزة، معتمدين على تبادل الثقافات وإثراء صناعة السينما المصريّة بالمواهب الإفريقيّة.

واعتبر أنّ صنّاع السينما الراغبين في ذلك هم قلّة، موضحاً أنّ صنّاع السينما المصريّين بغالبيّتهم راغبون في صناعة الأفلام التجاريّة التي تحقّق أرباحاً بأقلّ مجهود وأقلّ تكاليف، وهو ما يتعارض مع التعاون مع الدول الإفريقيّة في صناعة السينما لأنّ ذلك التعاون سيكون مكلفاً في نقل المعدّات وأيضاً نقل السينمائيّين وإقامتهم في مصر أو في بلاد إفريقيّة أخرى ومجهداً في اختيار النصوص واختيار الفنّانين المناسبين، مشيراً في ذلك الصدد إلى أنّ تدهور مستوى السينما المصريّة وبحث صنّاع السينما عن كلّ ما هو تجاريّ وأقلّ إجهاداً كانا السبب وراء غياب التعاون بين مصر وكلّ دول العالم عموماً في صناعة السينما.

من جهته، قال المخرج السودانيّ طلال عفيفي لـ"المونيتور": إنّ رئاسة مصر للاتحاد الإفريقيّ فرصة لتحقيق التعاون في مجال السينما، شرط أن يعالج المثقّفون والفنّانون المصريّون جذور العنصريّة في الثقافة اليوميّة لبعض المواطنين، حيث أنّها غالباً ما تؤدّي إلى تنميط الفنّانين الأفارقة في صور محدّدة في الأفلام المصريّة غالبيّتها كوميديّة وهزليّة أو سطحيّة، وشرط أن يتعاملوا أيضاً مع إفريقيا كمورد إنسانيّ وثقافيّ قادر على إثراء صناعة السينما المصريّة بتحقيق التعاون، خصوصاً أنّ السينما المصريّة هي ابنة التعاون وتعدّد الجنسيّات، وإنّه أمر شديد الغرابة ألاّ تكون إفريقيا جزءاً من ذلك التعدّد.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : فنون و ترفيه
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept