نبض العراق

الفخاريّات... صناعة عمرها آلاف السنين تنقرض رويداً من الحياة العراقيّة

p
بقلم
بإختصار
تتحوّل صناعة الفخّار والخزفيّات التراثيّة في العراق إلى جزء من الماضي، ولم تعد حاضرة في الحياة اليوميّة سوى في المتاحف والمعارض.

لم يعد في مقدور الحرفيّ حسين شعلان (60 سنة) من مدينة الحلّة في محافظة بابل الاعتماد على صناعة الفخّار، كمصدر رزق، بسبب انحسار الإقبال عليه. فعلى مدى 35 عاماً، أنتج حسين شعلان أوعية الزينة وأباريق الماء وأواني الطهي من الطين المفخور، عازياً أسباب ذلك في حديث لـ"المونيتور" إلى "التطوّر الصناعيّ، الذي وفّر سلعاً بديلة مصنوعة من البلاستيك والمعدن"، وقال: "إنّ الفخّار لم يعد ينتمي إلى هذا العصر، نظراً لانتفاء الحاجة اليوميّة إليه".

وإذ أشار إلى أنّ "الفخّار مهنة قديمة تتوارث أسرار صناعتها الأسر الحرفيّة عبر الأجيال"، قال بحزن: "لم يبق في المدينة، إلاّ ورشة واحدة فقط تقاوم النهاية، التي تقترب مع مرور الأيّام".

ولفت إلى أنّ "الحقبة الأخيرة، التي ازدهرت فيها هذه الصناعة هي فترة الحصار الاقتصاديّ على العراق، في تسعينيّات القرن الماضي، نظراً لندرة استيراد السلع إلى البلاد من الخارج"، وقال: كلّ مدينة في العراق، كانت تحتوي على العشرات من الورش التي تصنع الفخّار بشكل يدويّ مثل الأواني والزير لتبريد الماء، والقوارير، وقدّور طهي الطعام، وعبوات الماء والمخلّلات، والجرار لحفظ الماء والسندان الفخاريّ (الحِبْ)، لكنّ الأغلبيّة الساحقة من هذه الورش اندثرت".

وكانت منتجات الفخّار والخزفيّات قد شاعت استخداماً وصناعة في العراق منذ آلاف السنين، ويعود تاريخها إلى الحضارات السومريّة والبابليّة (نحو ٥٠٠٠ سنة قبل الميلاد).

وإنّ صناعة الفخّار هي عمليّة يتمّ فيها تشكيل الطين وتحويله إلى أشكال ومجسّمات عدّة، وذلك بعد حرقه وتجفيفه. ولقد حضّر البشر، الفخّار منذ القدم، يدويّاً، وكان يتمّ تجفيفه في الشمس والهواء. ومع مرور الزمن، تمّ إنشاء الأفران لحرق الطين والتخلّص من الماء. أمّا السلعة الوحيدة التي ما زالت الأكثر قدرة على البقاء في العراق هي موقد الخبز "التنّور" المصنوع من الطين، إذ تنتشر صناعته في البيوت.

وتنتج أمّ علي من بابل، التي توارثت هذه المهنة عن عائلتها، نحو 20 تنّوراً في الأسبوع، سعر الواحد يبلغ 20 دولاراً. وأشارت في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ "الرغيف الذي يخبز في التنّور الطينيّ له طعم بنكهة عراقيّة خاصّة، ويختلف عن المخبوز بالأفران الكهربائيّة والغازيّة، الأمر الذي يفسّر استمرار إنتاجه".

وقال الخبير الفنيّ المتقاعد في وزارة الصناعة والمهتمّ بالصناعات الفولكلوريّة نضال موسى جعفر في حديث  لـ"المونيتور": "كان لـلكوّاز أيّ صانع الفخاريّات دور اجتماعيّ واقتصاديّ كبير في المجتمع خلال العقود الماضية، يقارن بـالصناعيّين وأصحاب المشاريع الإنتاجيّة في الوقت الحاضر، وكان يتمتّع بمستوى دخل مرتفع".

وأوضح أنّ "صناعة الفخّار، التي تعتمد على طين خاص هو خليط من تراب أحمر وماء، ازدهرت في المدن القريبة من الأنهر، ويتمّ انتقاؤه من منطقة بعيدة عن التلوّث البشريّ حرصاً على النقاوة، ثمّ تنقع الكتل في أحواض الماء لمدّة طويلة لكي تتخمّر وتصبح جاهزة".

وشرح آليّة العمل في "جلوس صانع الفخّار داخل حفرة أمام عجلة مستديرة تدور أمامه بمستوى يديه، ليبدأ في تشكيل المجسّمات التي تجفّف في أفران حجريّة بدرجات حرارة عالية"، وقال: "من دلالات شهرة هذه المهنة، أنّ عوائل مارستها أطلق عليها لقب الكوّاز، توارثتها أباً عن جدّ. وفي مدينة بابل وأغلب مدن العراق، هناك منطقة تشابه المناطق الصناعيّة المتخصّصة في الوقت الحاضر، يطلق عليها اسم حيّ الكواويز، وهو تجمّع للورش التي يقصدها الناس".

وأشار الفنّان التشكيليّ شبيب المدحتي، من دائرة الوثائق العراقيّة، والذي شارك في معارض كثيرة ضمّت أعمال الفخّار والخزف في حديث لـ"المونيتور" إلى أن "مهنة الخزف والفخاريّات لم تعد صناعة شعبيّة، بل تحوّلت إلى فنّ للنخب الفنيّة التي تمارسها في الأكاديميّات والمعاهد والبيوت الخاصّة لغايات فنيّة بحتة مثل المعارض والمتاحف والمولات ومتاجر الأنتيكات"، وقال: "لذلك فوائد إيجابيّة للحفاظ على هذه الصناعة من الانقراض".

ولفت إلى أنّ "الكثير من الفنّانين العراقيّين المشهورين مثل فائق حسن وجواد سليم، أنتجوا أعمالاً فخاريّة وخزفيّة، وتوجد في الكثير من أعمالهم لمسات فخاريّة واضحة".

من جهته، قال أمين سرّ جمعيّة التشكيليّين العراقيّين قاسم حمزة في حديث لـ"المونيتور": "إنّ فنّ الفخّار، الذي كان له الدور في تنظيم المجتمع العراقيّ القديم في الحقب السومريّة والآشوريّة، عبر تدوين القوانين بالأختام الأسطوانيّة، وكان لكلّ شخص ختم خاص يكتب به ممتلكاته، يختفي كصناعة شعبيّة فولكلوريّة لكن لا يزال صامداً في المعاهد والأكاديميّات الفنيّة".

وأشار إلى أنّ "معرض الخزف والفخاريّات، الذي أقيم هذا العام في بغداد، شارك فيه 63 فنّاناً قدّموا 150 عملاً يضاهي المستوى العالميّ"، مؤكّداً أنّ "الأكاديميّات الفنيّة بغالبيّتها في العراق تدرّس الفخّار والخزف".

وعلى المستوى الأكاديميّ، أوضح رئيس قسم تقنيّات الخزف في معهد الفنون التطبيقيّة الدكتور علي خالد عبّاس خلال حديث لـ"المونيتور" أنّ "المعهد الأوّل للفنون الفخاريّة والخزفيّة أنشىء في بداية أربعينيّات القرن الماضي، لكنّ الاهتمام به تراجع بسبب الأوضاع الأمنيّة الناجمة عن الحروب التي مرّ بها العراق، وعدم الاستقرار الاقتصاديّ".

ولكي تتعزّز صناعة الفخّار من جديد، يدعو علي خالد عبّاس إلى "آليّة تواصل بين الفخّار كفنّ يدرّس في المعاهد، ونقله إلى الواقع عبر التوجّه إلى الاستثمار عبر التنسيق مع الغرف التجاريّة والصناعيّة ومراكز البحوث وجهات أخرى ذات علاقة مثل وزارتيّ الماليّة والصناعة والهيئة العامّة للاستثمار لإعادة إحياء هذه الصناعة، التي ميّزت الحضارة العراقيّة منذ آلاف السنين".

بدوره، قال رئيس قسم فنون الخزف في كليّة الفنون الجميلة بجامعة البصرة الدكتور علي حسين المحمود الأسدي خلال حديث لـ"المونيتور": "إنّ الفخّار كفنّ لا خوف عليه، إذ أنّ عدد الفنانين في هذا التخصّص يزداد بشكل مطّرد".

أمّا مدير معهد الحرف والفنون الشعبيّة عدنان صدّام فقال لـ"المونيتور": "إنّ الفخّار كصناعة يمرّ في أزمة، والمطلوب اليوم إعادة إحياء هذه الصناعة من خلال دعم المشاريع والورش للحيلولة دون انقراض مهنة شعبيّة وصناعة فولكلوريّة".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

عدنان أبو زيد مؤلف وصحافي عراقي. وهو حاصل على درجة في الهندسة التكنولوجية من العراق وعلى شهادة البكالوريوس في تقنيات وسائل الإعلام من هولندا.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept