نبض العراق

القبائل السنّيّة في العراق تسعى إلى تحقيق المصالحة المجتمعيّة للتخلّص من إرث داعش

p
بقلم
بإختصار
تجري تفاهمات قبليّة ونشاطات حكوميّة في المناطق السنّيّة، منعاً لأعمال الثأر الدمويّ بين عشائر احتضنت "داعش" وأخرى حاربته.

دعا رئيس البرلمان العراقيّ محمّد الحلبوسي في 3 أيّار/مايو 2019 إلى مصالحة مجتمعيّة في محافظات صلاح الدين، لحسم النزاعات العشائريّة والمناطقيّة التي نجمت عن انقسام العشائر والمناطق حول الموقف من تنظيم "داعش" الذي اجتاح المناطق الغربيّة من العراق في عام 2014، فبينما قاتلته عشائر، احتضنته أخرى ووفّرت له الدعم، وانخرط أفرادها في صفوفه، الأمر الذي ولّد انقساماً قبليّاً واجتماعيّاً، نتجت عنه أعمال ثأر وقتل متبادل.

فأحد أعمال الانتقام من الذين قاتلوا مع "داعش"، تفجير مجهولين في 6 أيّار/مايو 2019 منزلاً يعود إلى إحدى عوائل عناصر تنظيم "داعش" وسط مدينة هيت في الأنبار.

وتحدّثت تقارير في 16 آذار/مارس 2019، عن حملات ضدّ عوائل التنظيم نفّذها الحشدان الشعبيّ والعشائريّ، حيث قاما بطردها من بيوتها.

وانطلقت في 12 أيلول/سبتمبر 2018 حملات في جنوب محافظة نينوى لترحيل عائلات عناصر تنظيم "داعش"، عقب اعمال العنف التي طالت المدنيّين بعد هجوم "داعش" على مسؤول في الحشد العشائريّ وعائلته.

فيما لا يزال "داعش" ينتقم أيضاً، إذ أفاد مصدر أمنيّ في 9 أيّار/مايو 2019 أنّ 8 أشخاص من عائلة مسؤول محلّيّ قتلوا ذبحاً في هجوم لتنظيم "داعش" على منزلهم في الموصل.

ووصلت المخاوف من الثأر الدمويّ إلى حدّ حذّر فيه شيخ عشيرة البو محل، صباح المحلاوي في 2 أيّار/مايو 2019 من العودة العشوائيّة لعوائل "داعش" إلى الأنبار، لأنّ أفرادها سوف يقتلون وذلك لأنّ "السلاح متوافر والقانون ضعيف".

وتبلغ الحاجة إلى مصالحة مجتمعيّة ذروتها، ليس في المجتمع السنّيّ فحسب بل بين الشيعة والسنّة، فمنذ نحو أكثر من 3 أعوام، اختفى أكثر من 900 مدنيّ من مناطقهم السنّيّة التي كان يحتلّها التنظيم ولا يعرف مصيرهم، وإذا هم أحياء أو أموات، فيما تتّجه الاتّهامات إلى فصائل في الحشد الشعبيّ الشيعيّ.

على هذا النحو، يتأجّج النزاع والثأر بين الذين احتضنوا "داعش" وبين الذين قاتلوه، "ممّا يدعو إلى إجراءات جدّيّة في إحلال السلم المجتمعيّ"، وفق رئيس مجلس عشائر الأنبار المتصدّية للإرهاب رافع الفهداوي، الذي يقول لـ"المونيتور" إنّ "عشائر الأنبار تسعى إلى إطفاء النزاعات العشائريّة وأعمال الثأر والانتقام بين الذي كانوا يدعمون "داعش" وضحايا التنظيم، والتي أحدثت فرقة اجتماعيّة واسعة".

يصف الفهداوي الوضع بـ"المعقّد"، مفصّلاً ذلك بالقول: "هناك حتّى أسر انقسم أفرادها بين مؤيّد لـ"داعش" وآخر معارض له، وقد حدثت أعمال قتل، فأب قتل ابنه، وآخر قتل أخاه، وفي مجتمع عشائريّ، يجرّ ذلك إلى سلسلة أعمال ثأر متتابعة بسبب التقاليد".

واقع الحال أنّ الدعوات إلى المصالحة ليست جديدة لكنّها على ما يبدو لم تتمّ، على الرغم من طول المدّة، ففي 13 آب/أغسطس 2017، أصدرت عشائر الأنبار وثيقة عهد، لحلّ المشاكل الناجمة عن حقبة "داعش"، تمنع التصرّفات الفرديّة أو الجماعيّة لأخذ الثأر مادّيّاً أو معنويّاً، من دون الرجوع إلى السلطة القضائيّة والعرف العشائريّ".

لا تقتصر فعاليّات المصالحة على العشائر، بل شملت قيادة شرطة الأنبار، "التي لمست بوضوح أعمال القتل والثأر المتبادل الناجمة عن مخلفّات "داعش""، كما يقول العقيد في الشرطة المجتمعيّة وليد المشهداني لـ"المونيتور"، مشيراً إلى أنّ "الشرطة تنظر إلى جريمة القتل والتهجير بحياديّة، بغضّ النظر عن الفاعل، فيما إذا كان يؤيّد "داعش" أو يعارضه، لأنّ الهدف الأساسيّ هو إيقاف حلقات الثأر الدمويّ المتكرّرة".

أحد الإجراءات العمليّة، وفق المشهداني، "إنشاء مراكز شرطة مجتمعيّة في أغلب المناطق لتشمل القرى والأرياف التي تكثر فيه الحوادث في شكل ملحوظ".

وفي خطوة نحو تعزيز المصالحة في المناطق السنّيّة، حضر رئيس ديوان الوقف السنّيّ عبد اللطيف الهميم، في 31 آذار/مارس 2019، مجلس المصالحة المجتمعيّة بين عشيرتي الفدعوس والبوحشمة في قضاء الدجيل في محافظة صلاح الدين، فيما بحث رئيس البرلمان العراقيّ الحلبوسي في 11 نيسان/أبريل 2019 الملفّ، مع منظّمة NOREF النرويجيّة، لحلّ النزاعات.

لكنّ هذه الخطوات التي تبدو في أهدافها إنسانيّة، لا تخلو من التشكيك من أغراضها السياسيّة الأخرى وتلقى اعتراضاً من القوى السياسيّة السنّيّة، ففي 8 كانون الثاني/يناير 2019، حذّر رئيس مجلس إنقاذ الأنبار حميد الهايس في تصريحات إعلاميّة من نهوض الإرهاب مجدّداً، بسبب عودة قيادات تنظيم "داعش" والشيوخ الذين دعموه إلى محافظة الأنبار، من خلال المصالحة المجتمعيّة.

يتحدّث النائب عن كتلة المحور السنّيّة عبد الله الخربيط لـ"المونيتور" عن أنّ "تعزيز المصالحة، لن يتكلّل بالنجاح من دون تركيز الأطراف السياسيّة على حسم ملفّ التعويضات للمتضرّرين، ومحاسبة مرتكبي أعمال القتل".

ويرى الخربيط أنّ "أكثر المحاور تعقيداً في ملفّ المصالحة، هو ملفّ عائلات الـ"دواعش"، لأنّ الكثيرين من أهالي الأنبار، يتخوّفون منها ومن قيامها مرّة أخرى بأعمال قتل وانتقام إذا ما عادت".

تبدو محاولات المصالحة المجتمعيّة مركّزة على الدعوات والمؤتمرات، إذ طالب الأمين العامّ لحزب المؤتمر الوطنيّ آراس حبيب كريم، في 4 أيّار/مايو 2019، بتفعيل ملفّ المصالحة". وانعقد في 27 نيسان/أبريل 2019 مؤتمر السلم الأهليّ الذي أقامته منظّمة NOREF النرويجيّة في أربيل، وبحث وزير الهجرة والمهجّرين نوفل بهاء موسى أسباب عزوف العوائل النازحة عن العودة إلى أماكن سكنها الأصليّة.

لكنّ هذه الخطوات يجب أن تقابلها خطوات عمليّة تحقّق نتائج ملموسة، ما زالت قليلة، ومنها ما كشفه قائد قوّات العشائر في منطقة البغدادي في الأنبار الشيخ قطري السمرمد لـ"المونيتور" أنّ "عشائر غرب الأنبار اتّفقت على السماح لعائلات عناصر "داعش" بالعودة إلى منازلها بعد التدقيق الأمنيّ، وثبوت عدم تورّطها في أعمال الإرهاب".

أصبحت المصالحة المجتمعيّة في المناطق السنّيّة حاجة ملحّة جدّاً، إذا ما أخذ في الاعتبارأنّه اذا لم يتمّ إرساء أرضيّة صلبة للسلم الأهليّ تتيح تطوير المجتمع والبنية التحتيّة، لن يكون في الإمكان القيام بإعادة الإعمار وتقديم الخدمات وعودة النازحين.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

عدنان أبو زيد مؤلف وصحافي عراقي. وهو حاصل على درجة في الهندسة التكنولوجية من العراق وعلى شهادة البكالوريوس في تقنيات وسائل الإعلام من هولندا.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept