شحّ السيولة يهدّد قطاع البنوك في تونس وخبراء يحذّرون

p
بقلم
بإختصار
تنامت حالة من القلق لدى الأوساط الماليّة والسياسيّة في تونس، على إثر إقرار محافظ البنك المركزيّ التونسيّ مروان العبّاسي، وللمرّة الأولى في شكل علنيّ، بوجود أزمة سيولة تهدّد قطاع البنوك، فيما تحاول الحكومة التقليل من خطورة هذه الأزمة.

تونس: أقرّ محافظ البنك المركزيّ التونسيّ مروان العبّاسي في تصريح غير مسبوق وبشكل علني، بوجود أزمة سيولة يواجهها القطاع المصرفيّ، وذلك خلال جلسة استماع عقدتها لجنة التشريع العامّ في مجلس نوّاب الشعب في 13 أيّار/مايو 2019.

وأشار العبّاسي عبر تصريحات نقلها "راديو شمس إف إم" في 13 أيار/ مايو 2019 إلى أنّ عام 2019 سيكون صعباً على البنوك التونسيّة بسبب شحّ السيولة، مؤكّداً أنّ هذه الأزمة قد تدفع البنوك إلى عدم تلبية كلّ مطالب القروض الواردة إليها، مقارنة بعامي 2017 و2018 حيث كانت السيولة متوافرة.

واعتبرت المديرة العامّة للسياسات النقديّة في البنك المركزيّ التونسيّ ريم القلصي، في تصريح إلى "المونيتور" أنّ شحّ السيولة في تونس واقع لا يمكن إنكاره، في ظلّ وصول الحجم الإجماليّ لإعادة تمويل البنوك الذي يقوم به البنك المركزيّ في شكل دوريّ، إلى نحو 16 مليون دينار في عام 2019 (حوالى 5.3 ملايين دولار)، بعدما كان يقدّر في عام 2018 بـ14.5 ملايين دينار، فيما لم يتجاوز الـ6.5 ملايين دينار في عام 2016.

وبرّرت القلصي أزمة السيولة بارتفاع قيمة عجز الميزان التجاريّ في تونس والذي بلغ 19 مليون دينار في عام 2018، مقابل 15 مليون دينار في عام 2017، نتيجة تراجع نسبة الصادرات وارتفاع الواردات، ووصول نسبة التضخّم إلى 6,9% في نهاية نيسان/أبريل 2019، الأمر الذي أدّى إلى ضغط على السيولة.

وأكّدت مقابل ذلك توجّه البنوك التونسيّة إلى عدم منح ما بات يعرف بـ"قروض الاستهلاك" للمواطنين، والتوجّه نحو دعم صغار المستثمرين الذين يساهمون في خلق الثروة.

تصريحات محافظ البنك المركزي أيدها نور الدين الطبوبي أمين عام اتحاد الشغل، أكبر منظمة نقابية للشغالين بالبلاد، حيث صرح لراديو "جوهرة أف أم" خلال إشرافه على مؤتمر الجامعة العامة للبنوك والمؤسسات المالية في 17 أيار/مايو 2019 أن "البنك المركزي يواجه أزمة تتمثل في الشح في السيولة المالية بالبلاد، مشددا على ضرورة إيجاد الحلول اللازمة ".

وكان البنك المركزيّ التونسيّ قد قرّر في 19 شباط/فبراير 2019 و للمرّة الثالثة على التوالي خلال سنة الترفيع في نسبة الفائدة المديريّة بـ100 نقطة أساسيّة، وذلك للحدّ من ارتفاع نسبة التضخّم واحتواء نسبة العجز التجاريّ وتداعياته على ميزان الدفوعات.

من جانبه، نفى المستشار الاقتصاديّ لرئيس الحكومة لطفي بن ساسي وجود أزمة سيولة، وذلك في تصريح له عبر راديو "إكسبريس إف أم" الاقتصاديّ في 15 أيار/مايو 2019.

تصريحات مستشار رئيس الحكومة، اعتبرها النائب عن التيّار الديمقراطيّ المعارض والأمين العام السابق لذات الحزب غازي الشواشي من باب المزايدة السياسيّة والتغطية على السياسات الاقتصاديّة الفاشلة للحكومة بالتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعيّة في 6 تشرين الأول/ أكتوبر والرئاسية في 17 تشرين الثاني /نوفمبر 2019.

وأكّد الشواشي في تصريح إلى "المونيتور" تلقّيه، كنائب في البرلمان العديد من الشكاوى، من بعض المستثمرين والمواطنين، حول رفض البنوك منحهم قروضاً شخصيّة بسبب نقص السيولة.

وأوضح أنّه من بين أسباب تصاعد أزمة السيولة، لجوء الدولة إلى الاقتراض من البنوك لتغطية العجز في الميزانيّة، وبالتالي أصبحت هذه البنوك تفضّل إقراض الدولة بنسب فائدة مرتفعة وبضمانات استرجاع عالية بدل إقراض المواطنين والمؤسّسات الخاصّة.

وتابع: "الدولة اليوم أصبحت تقترض ليس بهدف الاستثمار وخلق الثروة بل لخلاص ديون تناهز قيمتها الـ10 مليارات دينار(حوالى 3مليارت دولار)، وما زاد تعميق الأزمة انهيار الدينار التونسيّ مقابل الدولار الأميركي، ممّا يجعل تكلفة إعادة إرجاع هذه القروض بالعملة الصعبة كارثيّاً، مع وصول نسبة الدين العامّ إلى 74% في عام 2019 بعدما كانت في حدود الـ45% في عام 2011".

وكانت لجنة الماليّة في البرلمان قد صادقت في 22 أيّار/مايو 2019 على مشروع قانون قدّمته وزارة الماليّة للسماح بالخروج إلى السوق الماليّة العالميّة، قصد تعبئة قـرض رقاعيّ بمبـلغ أقصاه 800 مليون دولار أميركيّ لتمويل عجز ميزانيّة الدولة لعام 2019.

وسبق أن عطّل البرلمان في 4 أيّار/مايو 2019 المصادقة على طلب الحكومة نفسه للخروج إلى السوق الماليّة العالميّة، حيث عملت المعارضة التي تترأّس لجنة الماليّة على رفض هذا الطلب في مسعى منها لكبح جماح سياسة الاقتراض.

وحذّر الخبير الاقتصاديّ والماليّ الصادق جبنون في حديثه إلى "المونيتور" من بلوغ أزمة شحّ السيولة مرحلة قد لا يستطيع فيها المواطن البسيط سحب أمواله الخاصّة من البنوك.

وأرجع أسباب هذه الأزمة إلى ما وصفه بـ"تحويل وجهة السيولة من تمويل الاستثمار الخاصّ إلى تمويل نفقات الدولة، بعدما التجأت الحكومة إلى الاقتراض المباشر من البنوك في ظلّ قانون يحدد النظام الأساسي للبنك المركزي وتمت المصادقة عليه في 11نيسان/ أفريل 2016 يمنع الدولة من الاقتراض المباشر من البنك المركزيّ ".

وأشار الخبير الاقتصاديّ إلى تداعيات تنامي الاقتصاد الموازي في ظلّ عجز الدولة عن كبح جماحه على حساب القطاع الرسميّ، ممّا جعله يلتهم السيولة النقديّة سواء المحلّيّة منها أم بالعملة الصعبة.

وحذّر من انعكاس شحّ السيولة على عجلة النموّ الاقتصاديّ، حيث بلغت نسبة النموّ 1,1% في عام 2019 بعدما وصلت في عام 2018 إلى 2,8%.

ويخشى العديد من المراقبين في تونس أن تكون أزمة السيولة بداية المؤشّرات الملموسة إلى انهيار الاقتصاد التونسيّ والذي بدأ المواطن التونسيّ يستشعره من الارتفاع المشطّ في الأسعار وتدنّي المقدرة الشرائيّة، وهي أزمة قد تصل في أسوء أوجهها إلى عدم قدرته على سحب أمواله نقداً من البنوك.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

آمال الهلالي صحفية تونسية متخرجة من معهد الصحافة وعلوم الأخبار, عملت في عدة وسائل إعلام عربية ودولية أبرزها قناة الجزيرة وقناة العربية وقناة الحرة ومراسلة لمواقع إخبارية من تونس أهمها هافينغتون بوست عربي و العربية نت وإيلاف .

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept