نبض العراق

الديمقراطيّة العراقيّة مهدّدة من قبل أحزاب تدار بطريقة غير ديمقراطيّة

p
بقلم
بإختصار
إنّ العمليّة السياسيّة في العراق التي يفترض أن تكون ديمقراطيّة، تنقاد بيد أحزاب غير ديمقراطيّة يحكمها أفراد أو عوائل دينيّة وأرستقراطيّة.

يقف النائب السابق عن التيّار الصدريّ عوّاد العوادي منذ 16 أيّار/مايو الحاليّ عند باب زعيم التيّار الصدريّ مقتدى الصدر في منطقة الحنانة في محافظة النجف، حيث مقرّ إقامة الصدر، معتصماً لمقابلة زعيم حزبه بعد يومين على تظاهر العشرات من أتباع الصدر في القرب من منزله بعد اتّهامات وجّهت إليه بـ"الفساد".

ظهر في فيديو آخر لحظة التظاهر أمام منزله في 14 أيّار/مايو، وهو يحمل صورة الصدر ووالده محمّد صادق الصدر متوسّلاً للقاء زعيم التيّار الصدريّ لـ"كسب رضاه". كان العوادي ضمن قائمة مكوّنة من 4 أشخاص مقرّبين من الصدر أصدرها زعيم التيّار الصدريّ وطالبهم جميعاً بترك العمل التجاريّ والحكوميّ باسمه واسم عائلته، في إشارة منه إلى اتّهامهم بـ"الفساد".

تتحدّث تحليلات لمراقبين عدّة في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعيّ عن أنّ خطوة الصدر الأخيرة لا تتعلّق بـ"فساد" المقرّبين منه الذين طالب بإيقافهم عن العمل، وإنّما بأسباب اقتصاديّة داخل التيّار الصدريّ، كان أبرزها تعليق الكاتب حميد الشاكر الذي قال إنّ "الذين طردهم الصدر كبروا ولم يعد يسطير عليهم"، وفق قوله.

التيّار الصدريّ هو حزب عائلة ورث مقتدى الصدر شعبيّته من والده محمّد صادق الصدر وعمّه محمّد باقر الصدر، ويمتلك قاعدة شعبيّة كبيرة في العراق، وهو زعيم الحزب منذ عام 2003 وحتّى الآن.

تعتمد الأحزاب السياسيّة العراقيّة على رموز وأفراد، غالباً ما يكونون رجال دين أو شخصيّات من عوائل تتعاقب على رئاسة حزب ما، وهؤلاء عادة ما يكونون من العوائل الدينيّة، وتتركّز هذه الظاهرة في أحزاب ما بعد 2003 التي هي جزء من العمليّة السياسيّة الحاليّة.

قال مستشار المركز العراقيّ للدراسات الاستراتيجيّة يحيى الكبيسي لـ"المونيتور" إنّ "البنية البطريركيّة تتحكّم بعمل الأحزاب السياسيّة وليس الديمقراطيّة، وهناك دائماً الزعيم والقائد من جهة، والأتباع من جهة أخرى، وليست هناك أيّ تقاليد لعمل ديمقراطيّ فيها، وبالتالي تفرض هذه البنية البطريركيّة مهاجمة أيّ منشقّ على طاعة الزعيم أو القائد، لأنّ خروجه على الطاعة في طعن مباشر بشخص الزعيم او القائد، وهذا ما لا تقبله هذه البنية، لهذا لا بدّ من استخدام العنف الحقيقيّ إن أمكن ذلك، أو العنف الرمزيّ (التخوين، الاتّهامات، والشتائم) غالباً لمواجهة هكذا خروج على الطاعة".

وأضاف: "لا وجود لبينة حزبيّة في العراق، وقانون الأحزاب الذي أنتجته الطبقة السياسيّة فشل فشلاً ذريعاً في تقنين الحدّ الأدنى من العمل الحزبيّ، لهذا ستبقى الدكاكين السياسيّة هي التي تحكم المشهد، وتكاثر هذه الدكاكين مرتبط بإمكان الوصول إلى التمويل فقط وليس أيّ شيء آخر".

ما حدث لم يكن مع الصدر فقط، فقبل أسابيع، واجه زعيم منظّمة بدر وأحد قادة الحشد الشعبيّ هادي العامري موجة من الغضب داخل حزبه تطوّرت إلى تظاهرات وانشقاقات غير معلنة، أنتجت التيّار البدريّ الوطنيّ بزعامة وزير الداخليّة السابق المقرّب من زعيم منظّمة بدر قاسم الأعرجي.

ووفقاً لمصادر مقرّبة من منظّمة بدر تحدّثت إلى "المونيتور"، فإنّ "الخلاف بين العامري والأعرجي يكمن في رفض الأوّل إعادة ترشيح الثاني إلى وزارة الداخليّة، لخشيته من أن يحصل على قاعدة شعبيّة تفوق قاعدته".

في منظّمة بدر التي تأسّست في عام 1982، لا يختلف الحال عن التيّار الصدريّ أو غيره من الأحزاب، فالعامري هو القائد العسكريّ للمنظّمة التي كانت الجناح العسكريّ للمجلس الأعلى الإسلاميّ، وبقي رئيسها عندما تحوّلت إلى حزب سياسيّ في عام 2003.

إنّ الولاءات في هذه الأحزاب للقادة هي السمة البارزة فيها، والتقرّب من قادتها هو ما يطمح إليه الأعضاء أو غيرهم، ففي تسجيل صوتيّ حصل عليه "المونيتور"، يقول قياديّ في منظّمة بدر ويدعى سيّد عقيل: "لو طلب منّي هادي العامري أو معاوناه سيّد وهب وأبو مريم الأنصاري قتل أيّ شخص، سأٌقتله".

لم يشهد أيّ حزب سياسيّ عراقيّ منذ عام 2003 وحتّى اليوم اعتماد آليّات ديمقراطيّة في إدارته، حتّى الأحزاب التي تجري إنتخابات في مؤتمراتها العامّة، لم تشهد تغيير زعمائها.

كانت تجارب الصدر بعد تأسيسه جيش المهدي في عام 2003 هي الأبرز، فشهد انشقاق عدد من المقرّبين منه وتشكيلهم جماعات مسلّحة وأحزابأً صارت تنافسه سياسيّاً وعسكريّاً وحتّى اجتماعيّاً، أبرزها تجربة قيس الخزعلي وعصائب أهل الحقّ، وأكرم الكعبي الذي أسّس حركة النجباء، وكذلك أوس الخفاجي الذي أسّس لواء أبي الفضل العبّاس.

الخاصّ عون آل النبي، فرأى من الضرورة إنهاء صورتهما أمام جمهوره الصدريّ وأمام الجميع، حتّى لا تتكرّر معه قصّة الانشقاقات التي حدثت معه سابقاً.

ربّما كانت تجربة الصدر مع المقرّبين منه هي الأبرز في العمليّة السياسيّة الديمقراطيّة في العراق، إلّا أنّها لم تكن الوحيدة، فانشقّ عن حزب الدعوة رئيس الحكومة الأسبق ابراهيم الجعفري، وعن تيّار شهيد المحراب هادي العامري بمنظّمته بدر، وانشقّ عن المجلس الأعلى الإسلاميّ عمّار الحكيم الذي أسّس مع المنشقّين معه تيّار الحكمة، وربّما لم تنته هذه الانشقاقات.

قال حارث حسن، وهو باحث في مركز "كارنيغي" لـ"المونيتور" إنّ "الانشقاقات محتملة مع صعود قادة جدد واكتسابهم الخبرة اللازمة لكسب الأتباع واستغلال ثغرات العمليّة السياسيّة، وفي الوقت نفسه، فإنّ طبيعة النظام الانتخابيّ الذي يسمح بتغيير التحالفات مباشرة بعد الانتخابات ولا يشترط أن تتولّى الكتلة الفائزة تشكيل الحكومة، تؤدّي إلى سيولة عالية في التحالفات وسلسلة غير منتهية من الانشقاقات والتحالفات الجديدة".

وأضاف أنّ "النظام السياسيّ في العراق هو نظام نيو-باتروموني، يسمّيه البعض ديمقراطيّة من دون ديمقراطيّين، يقوم على التنافس بين مراكز قوى تشتقّ شرعيّتها من كاريزما أو منزلة عائليّة، ومن تحالفات زبائنيّة، وليس من التمسك ببرنامج سياسيّ-أيديولوجيّ واضح".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : sadrist movement, disobedience, badr organization, muqtada al-sadr, corruption

مصطفى سعدون هو صحفي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان. عمل مراسلاً في مجلس النواب العراقي.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept