نبض فلسطين

ازدياد فوضى انتشار السلاح في الضفّة الغربيّة

p
بقلم
بإختصار
كشفت الشرطة الفلسطينيّة أنّها تضبط سنويّاً بين 600 و1000 قطعة سلاح في الضفّة الغربيّة، وهي تستخدم في الشجارات العائليّة وفرض القوّة، في ظلّ غياب الرادع من خلال الضعف القانونيّ الفلسطينيّ، وأنّ مصدر هذا السلاح هو إسرائيل... السطور الآتية تناقش ظاهرة انتشار السلاح، وتتساءل عن دور الأجهزة الأمنيّة بالحدّ منها، وهل يعتبر سلاح "حماس" منها، وما أسعاره، وهل يرتبط انتشاره بالتحضير لغياب الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس، ودخول الفلسطينيّين في احتراب داخليّ؟ وهل يحصل حائزو السلاح على رعاية أمنيّة من المسؤولين الفلسطينيّين؟

كشف الناطق باسم الشرطة الفلسطينيّة العقيد لؤي إرزيقات، في حديث لإذاعة "وطن" المحليّة في 27 أيّار/مايو، أنّ الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة تضبط سنويّاً بين 600 و1000 قطعة سلاح في الضفّة الغربيّة، وأنّ لديها خططاً لمكافحة السلاح المهرّب، الذي يستخدم في الشجارات العائليّة وفرض القوّة، في ظلّ غياب الرادع من خلال ضعف الجهاز القضائي الفلسطينيّ.

وأشار لؤي إرزيقات إلى أنّ ترويج الأسلحة المهرّبة وبيعها مشكلة تواجهها الأجهزة الأمنيّة منذ وقت طويل، مطالباً بوجود قانون رادع يضع حاملها تحت طائلة المسؤوليّة للتقليل من معدلات القتل، مؤكّداً أنّ مصدر السلاح من إسرائيل، التي تغضّ الطرف عن تهريبه، وتساعد في وصوله إلى المناطق الفلسطينيّة.

تشهد الضفّة منذ أوائل عام 2019 تزايداً باستخدام السلاح بما يثير مخاوف فلسطينيّة من انتشار الفوضى الأمنيّة، عقب مظاهر إطلاق النار في الشوارع وقتل عدد من الفلسطينيّين.

الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الإنسان في رام الله، رصدت منذ يناير 2019 وقوع العديد من حالات الوفاة في الضفة الغربية، وتوزعت عن وفاة في ظروف غامضة، ونتيجة الشجار العائلي، وسوء استخدام السلاح، حيث وقعت 4 حالات وفاة في أبريل، و12 حالة في مارس، و9 حالات في فبراير، و7 حالات في يناير، وشهد شهر مايو مقتل 4 فلسطينيين.

حتّى أنّ مخيّمات اللاّجئين في الضفة تحوّل بعضها إلى ثكنات عسكريّة مكتظّة بالسلاح، ويعتبر دخولها من السلطة مغامرة غير محسوبة العواقب، الأمر الذي يجعل أجهزة الأمن تقتحمها بعشرات المركبات العسكريّة، فلا تستطيع أن تدخل وتخرج بحريّة لاعتقال من تشاء، لأنها ستكون في مواجهة المسلحين.

وقال مسؤول أمنيّ فلسطينيّ، أخفى هويّته، في حديث لـ"المونيتور": "إنّ انتشار السلاح في الضفّة يتصدّر اهتمامات القيادة الفلسطينيّة لأسباب عدّة: أوّلها أنّ إسرائيل تساهم في إدخاله، وثانيها أنّه يترافق مع زيادة الحديث عن مزاعم انهيار السلطة بسبب أزمتها الماليّة، وثالثها الخشية من استغلاله من قوى فلسطينيّة معنيّة بزعزعة استقرار السلطة، والسيطرة على الضفّة. كلّ سلاح غير سلاح الأجهزة الأمنيّة غير شرعيّ، سواء أكان لفصائل فلسطينيّة، عائلات، أم مجموعات خارجة عن القانون".

شهدت الأسابيع الأخيرة سلسلة متلاحقة من حوادث إطلاق النار بين الفلسطينيّين بالضفّة، في إشارة واضحة إلى انتشار السلاح.

لقد قتل رائد صبح (43 عاماً) في 22 أيّار/مايو خلال شجار عائليّ مسلّح في مخيّم الفارعة - جنوب طوباس - شمال الضفّة، وأصاب عدداً آخر. وفي اليوم نفسه، بـ22 أيّار/مايو، وقع شجار مسلّح بين عائلتيّ جفّال وادكيدك في العيزريّة - شرق القدس، أصيب على أثره شابان أحدهما حالته خطيرة. كما كانت شهدت مدينة الخليل - جنوب الضفّة بين 16 و19 أيّار/مايو اشتباكات مسلّحة متواصلة بين عائلتيّ الرجبي والجمل.

وفي 19 أيّار/مايو، اندلعت 6 شجارات في نابلس نتج منها إصابة 11 فلسطينيا بالرصاص، ووقع شجار عائليّ في بلدة سبسطيّة نتج منه 3 إصابات متوسّطة، وأصيب 8 آخرون في شجار ببلدة سالم - شرق نابلس.

أمّا في 29 نيسان/إبريل فتعرّض منزل مدير مديرية الجمارك والمكوس التابعة لوزارة المالية الفلسطينية في جنوب الخليل بلال عاشور لإطلاق نار كثيف من قبل مجهولين من دون وقوع إصابات. وفي 23 آذار/مارس، أطلق مسلّحون النار على القاضي منتصر رواجبة أمام منزله بنابلس - شمال الضفّة، الأمر الذي أدّى إلى إصابته بجراح. وفي 17 آذار/مارس، تعرّض منزل النائب في المجلس التشريعيّ عزّام سلهب وسيّارته لإطلاق نار من قبل مسلّحين في مدينة الخليل - جنوب الضفّة.

وقال رئيس "المركز الفلسطينيّ لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجيّة – مسارات" هاني المصريّ لـ"المونيتور": "يجب التفريق بين نوعين من الأسلحة في الضفّة، الأوّل سلاح المقاومة، وهو ملاحق من قبل إسرائيل والسلطة، وفي حالة انحسار، والثاني سلاح الفوضى ومراكز القوى والعائلات، حيث تتسامح معه إسرائيل، وجزء منه يجمعه خصوم ومؤيّدو الرئيس محمود عبّاس ترقّباً لخلافته، لأنهم يخشون الصراع الداخلي بين الفلسطينيين، في حال أصبح موقع الرئيس عباس شاغرا، لأي سبب كان. كما أنّ هناك استفادة ماليّة لبعض المسؤولين الفلسطينيّين بشراء السلاح، ومنح الغطاء لمن يحمله، فلا تلاحقه الأجهزة الأمنيّة".

علم "المونيتور" من أوساط قريبة من محمود عبّاس أنّ قيادات فتحاويّة طالبته في نيسان/إبريل، خلال لقاء معه بالتدخّل لإنقاذ الضفّة من الفوضى الأمنيّة، فأهلها متخوّفون، والقلق يسيطر على الشارع، وإطلاق النار يوميّ، يرافقه إغلاق الشوارع، وإحراق الإطارات، بسبب تزايد الخلافات العائلية وتصفية الحسابات بين مسؤولي السلطة تنفّذ في وضح النهار، ولم يحصل المونيتور على أسماء وأمثلة حول صراعات هؤلاء المسئولين.

من جهته، قال نائب رئيس المجلس التشريعيّ حسن خريشة لـ"المونيتور": "إنّ ظاهرة انتشار السلاح في الضفّة هي نتيجة لتجارة بينيّة بين متنفّذين في السلطة وتجّار السلاح الذين يهرّبونه من الأردن وإسرائيل. تكديس السلاح مرتبط بحسابات داخليّة والتحضير لوراثة الرئيس، وهي ظاهرة سلبيّة تسفر عن تمزيق النسيج الاجتماعيّ الفلسطينيّ. السلطة تخشى بصفة أساسيّة من سلاح المقاومة. ولذلك، تعمل على مصادرته وملاحقته على الفور".

تحقّق السلطة نجاحات متلاحقة بمصادرة سلاح "حماس" في الضفة الغربية، الذي يستهدف إسرائيل، آخرها في فبراير 2019 بمدينة نابلس، الأمر الذي يؤكّد رغبتها وقدرتها على ذلك، وتبدي عجزاً أمام سلاح الفوضى الأمنيّة الذي يقلق الفلسطينيّين، الأمر الذي يشير إلى عدم رغبتها في الحدّ منه، رغم قدرتها عليه.

أمّا القياديّ في "حماس" بالضفّة فتحي قرعاوي فقال لـ"المونيتور": "إنّ سلاح المقاومة هو المستهدف في الضفّة، ونحن نتابع حملات السلطة من اعتقالات وتحقيقات وتوجيه لوائح اتّهام ضدّ شبّان الضفّة تابعين لحماس وفصائل أخرى بتهم التخطيط لشراء سلاح أو حيازته، فيما سلاح البلطجة والجريمة يسرح ويمرح في وضح النهار، فهذه معادلة غير متوازنة. الضفّة مقبلة على أحداث خطيرة من فوضى السلاح والفلتان الأمنيّ، ونعلم أنّ جهات نافذة داخل الأجهزة الأمنيّة تتحضّر بالسلاح، استعداداً لمرحلة غياب الرئيس".

يأتي الربط بين تكديس الأسلحة بالضفة الغربية والتحضير لخلافة عباس لعدم تعيين نائب له في رئاسة السلطة الفلسطينية حتى الآن، وتطلع العديد من القادة الفلسطينيين لخلافته مثل جبريل الرجوب ومحمد دحلان ومحمود العالول، وهم من قادة فتح، ويتحضرون لهذه المرحلة من خلال حشد الموالين لهم بالمال والسلاح، كي تكون لهم الغلبة بتنصيب أنفسهم لرئاسة السلطة إن غاب عباس عن المشهد الفلسطيني.

أدّت الصراعات الناشئة بين تيّارات عدّة في السلطة إلى انتشار السلاح الذي أسفر عن تقسيمات مناطقيّة جغرافيّة ووقوع اشتباكات بينها في مدن ومخيّمات عدّة بالضفّة، وأظهرت الأجهزة الأمنيّة عجزاً أو تراخياً بسحب السلاح أو اعتقال مستخدميه.

وصادقت الحكومة الفلسطينيّة في 13 ديسمبر 2016 على مشروع نظام رسوم ترخيص الأسلحة الناريّة للحدّ من انتشار الأسلحة غير القانونيّة، وضبط السلاح غير الشرعيّ، والعمل ضدّ تجّار السلاح.

وأبلغ أبو علي، وهو اسم وهميّ لتاجر أسلحة في الضفّة، "المونيتور" أنّ "السلطة تعلم مصادر السلاح في الضفّة، خصوصاً نابلس وجنين، فكثير من تجّاره هم ضبّاط فلسطينيّون يبيعون القطعة. وبعد ساعة، يصادرونها. أسعار السلاح باتت باهظة، فبندقيّة إم 16 سعرها 20 ألف دولار، الكلاشنكوف 11 ألف دولار، والمسدس 10 آلاف دولار".

من أهمّ أسباب انتشار السلاح في الضفّة، ارتفاع نسبة العنف المجتمعيّ، وتشجيع إسرائيل له طالما لا يوجّه ضدّها، وضعف دور السلطة وأجهزتها الأمنيّة، وتراجع ثقة الفلسطينيّين بها، وتنامي النزاعات العائليّة، وبروز قيادات محليّة على حساب السلطة، وزيادة ثقافة الفلسطينيّين بأخذ القانون باليدّ، وحلّ مشاكلهم بالقوّة المسلّحة، وتباطؤ الإجراءات القضائيّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : west bank, palestinian authority, proliferation, judiciary, refugee camps, weapons, arms

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept