نبض مصر

كيف فجرت واردات الشعر المستعار جدلاً حول عجز الميزان التجاريّ المصريّ؟

p
بقلم
بإختصار
على الرغم من تزايد وتيرة تصريحات الاقتصاديّين حول ضرورة خفض عجز الميزان التجاريّ للحفاظ على قيمة العملة المصريّة وتحقيق الرخاء الاقتصاديّ، إلّا أنّ الأرقام والإحصاءات الرسميّة تكشف أنّ واردات مصر من السلع الاستفزازيّة ما زالت في ارتفاع، وكانت آخر تلك السلع واردات الشعر المستعار.

القاهرة: يجمع المراقبون الاقتصاديّون المعنيّون بالشؤون المصريّة على ضرورة خفض عجز الميزان التجاريّ، أي ضرورة زيادة الصادرات في مقابل تقليص الواردات، حيث قال رئيس قطاع البحوث في المجموعة الماليّة والبنك الاستثماريّ الأكبر في مصر "هيرميس" أحمد شمس الدين في تصريحات صحافيّة في 27 تمّوز/يوليو 2019 إنّ بحوث الشركة كافّة تؤكّد أنّ تحقيق أعلى معدّلات النموّ الاقتصاديّ ورفع مستوى معيشة المواطن يسلتزمان خفض عجز الميزان التجاريّ إلى النصف.

وعلى الرغم من ذلك، كشف تقرير للجهاز المركزيّ للتعبئة العامّة والإحصاء، في 23 تمّوز/يوليو، أنّ واردات مصر من الصين ارتفعت خلال الثلث الأوّل من عام 2019 بنسبة 11,9% مقارنة بالمدّة نفسها خلال عام 2018، لتصل من 2.209 مليارات دولار إلى 2.473 مليار دولار. ويعتبر العديد من المراقبين أنّ أغلب واردات مصر من الصين ضمن السلع الاستفزازيّة، ومن بينها الشعر المستعار الذي كان محوراً للجدل في الأيّام الأخيرة.

وكشفت تقارير صحافيّة في مطلع تمّوز/يوليو 2019 أنّ الجهاز المركزيّ للتعبئة العامّة والإحصاء يقدّر حجم واردات مصر من الشعر المستعار، وأغلبها من الصين، بـ3 ملايين جنيه (181 ألف دولار)، أي حوالى 7,5% من إجمالي واردات مصر من الصين خلال الربع الأوّل من عام 2019، إلّا أنّ تلك التقارير رجّحت أنّ حجم واردات مصر الحقيقيّة منها تفوق أضعاف الرقم المعلن بواسطة الجهاز المركزيّ للتعبئة العامّة والإحصاء، خصوصاً أنّ إجمالي تجارة الشعر المستعار على مستوى العالم يفوق الـ80 مليار دولار سنويّاً.

تقليص الواردات

واتّفق مع توقّعات التقارير الصحافيّة الأستاذ المساعد في الاقتصاد في جامعة العريش محمود سراج، وأضاف في مداخلة هاتفيّة مع "المونيتور" أنّ الأمر لا يتعلّق بالشعر المستعار تحديداً، وإنّما يتعلّق بكيفيّة صناعة حملات إعلاميّة توعويّة لتعديل ثقافة العديد من المصريّات حول استهلاك السلع الاستفزازيّة، وكيفيّة تقليص دخول تلك السلع من خلال فرض رسوم جمركيّة أعلى أو رسوم إغراق، لأنّ تلك السلع مثل الشعر المستعار وأدوات المكياج ومستحضرات التجميل والملابس والعطور الجاهزة تثقل كاهل الاقتصاد المصريّ وتؤدّي إلى جزء من عجز الميزان التجاريّ غير النفطيّ لمصر.

وتابع: "وبحسب دراسة أجراها طلّاب قسم الاقتصاد في كلّيّة التجارة في جامعة العريش، تبلغ القيمة الرسميّة لاستيراد تلك السلع حوالى 5.46 مليار جنيه (330 مليون دولار)، أي 0,74% من إجمالي عجز الميزان التجاريّ غير النفطيّ والبالغ حوالى 44.7 مليارات دولار، وعلى الرغم من أنّ الرقم السابق يبدو ضئيلاً بالنسبة إلى إجمالي عجز الميزان التجاريّ، إلّا أنّ معدّلات مبيعات عيّنة ضخمة من تجّار تلك السلع والمستهدفين من الدراسة تكشف أنّ حوالى 3,5 ضعف تلك الكمّيّة (1.155 مليار دولار) تدخل إلى السوق المصريّ مهرّبة ولا تقيّدها السجلّات الرسميّة، ويخرج نظير استيراداها المزيد من الملايين من الدولارات".

وأشار إلى أنّ ما سبق يؤدّي إلى ارتفاع في قيمة العملة الصعبة لأنّه يتسبّب في ارتفاع الطلب عليها مقابل الجنيه المصريّ، "أي إنّ التوقّف عن استيراد تلك السلع ربّما يساهم في خفض قيمة العملة الصعبة من مستوى 16,55 جنيهاً للدولار إلى 16 جنيهاً للدولار، ممّا يخفّض قيمة السلع الأساسيّة المستوردة"، بحسب تصريحاته عن بحث طلّاب قسم الاقتصاد في جامعة العريش.

دعم الصناعة المحلّيّة

فيما قالت مريم الوكيل، وهي مديرة في إحدى شركات الأدوية، لـ"المونيتور" إنّ الحكومة المصريّة والمراقبين الاقتصاديّين يغالون في تقدير تأثير بعض السلع المستوردة الخاصّة بالنساء على الميزان التجاريّ المصريّ، وأضافت: "من خلال قراءتي للصحف، فإنّ تلك الواردات لا تلتهم ميزانيّة ضخمة من العملة الصعبة، وربّما الأزمة تكمن في أنّ مصر لديها القدرة على إنتاج العديد من تلك السلع محلّيّاً، ومن بينها مستحضرات التجميل والشعر المستعار والملابس، وعلى الدولة أن تشجّع تأسيس بدائل محلّيّة متميّزة، بدلاً من الضغط على المواطن لضرورة التوقّف عن استيراد سلع لن يؤدّي توقّفها إلى نهضة الاقتصاد المصريّ".

واتّفقت معها في الرأي صافيناز منصور، وهي مالكة إحدى محلّات تصفيف الشعر في الجيزة، حيث قالت في تصريحات إلى "المونيتور" إنّ فاتورة استيراد الشعر المستعار ومستحضرات التجميل، على سبيل المثال، تراجعت في شكل كبير عن زمن سابق عندما كانت مصر تستورد تلك المنتجات من الولايات المتّحدة الأميركيّة وأوروبّا، "إلّا أنّ مصر تستورد حاليّاً العديد من تلك السلع، وعلى رأسها الشعر المستعار من الصين بأسعار متواضعة مقارنة بالسلع الأميركيّة والأوروبّيّة، مع الأخذ في الاعتبار أنّ تلك الصناعات في مصر تواجه العديد من الصعوبات".

وبسؤالها عن تلك الصعوبات، قالت إنّ أبرزها أنّ العديد من رجال الدين يحرّمون صناعة الشعر المستعار ومستحضرات التجميل، لأنّ صناعة الشعر المستعار تعتمد على تبرّعات أو بيع البعض لناتج قصّ الشعر الطبيعيّ، وهو ما يحرّمه البعض بوصف أنّه تجارة بالأعضاء شأنه شأن التجارة بالكلى، كما أشارت إلى أنّ بعض الشيوخ يحرّم استخدام مستحضرات التجميل أو صناعتها بوصفها أداة للغشّ أو التدليس لأنّها تخفي المظهر الحقيقيّ.

فيما قال المستشار الماليّ والاقتصاديّ لعدد من المؤسّسات الاستثماريّة في مصر وائل النحّاس لـ"المونيتور" إنّ خفض استيراد السلع الاستفزازيّة سيساهم في خفض عجز الميزان التجاريّ بالفعل، ولكن ليس للدرجة التي تحقّق لمصر أو للجنيه المصريّ انتعاشة اقتصاديّة، وإنّ الأفضل هو أن تجري الدولة دراسة موسّعة حول السلع التي يستوردها المصريّون وأيّ من تلك السلع يمكن تصنيعه محلّيّاً.

وأضاف أنّ الدولة عليها تشجيع صغار المصنّعين أو الشركات العالميّة على تصنيع تلك المنتجات محلّيّاً، وتوفير الدعم لها، واستغلال مكاتب التمثيل التجاريّ المصريّ لتوفير فرص تصديرها، ممّا يخفّض الاستيراد ويحقّق فائضاً في الصادرات في الآن ذاته، وبذلك تتحقّق طفرة في الميزان التجاريّ لأنّ فرض رسوم جمركيّة مرتفعة أو رسوم إغراق على تلك السلع يتعارض مع اتّفاقيّات التجارة الحرّة المنضمّة إليها مصر مثل اتّفاقيّة الـGATT.

فترة موقّتة

بينما قال هاني أبو راية، وهو مدير إحدى مراكز التجميل في القاهرة، لـ"المونيتور" إنّ الإقبال على بعض نوعيّات الملابس أو الشعر المستعار أو بعض مستحضرات التجميل المستوردة يحدث نتيجة بعض صيحات الموضة الموقّتة والتي تظهر في الخارج قبل مصر ويستخدمها الفنّانون على شاشات التلفزيون، فيقلّدهم المشاهدون، مثل الشعر المستعار الذي استخدمته الفنّانة دينا الشربيني في مسلسل زيّ الشمس، خلال رمضان 2019، ويقبل العديد من المصريّين على شرائه حاليّاً، مضيفاً أنّ ذلك الإقبال موقّت ولا يستدعي فرض رسوم إغراق أو القلق من عجز الميزان التجاريّ نتيجته.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept