قرار غير ملزم من البرلمان العراقيّ لإنهاء الوجود الأجنبيّ في البلاد

صوّت البرلمان العراقيّ على قرار، يرى خبراء القانون أنّه لا يستند إلى نصّ دستوريّ يلزم الحكومة بالعمل على إنهاء الوجود العسكريّ الأجنبيّ في البلاد، وأنّه خطوة احتجاجيّة على قيام الولايات المتّحدة الأميركيّة باستهداف الجنرال الإيرانيّ قاسم سليماني في بغداد.

al-monitor .

المواضيع

iraqi constitution, adel abdul mahdi, us troops, baghdad, us embassy, iraqi parliament, qasem soleimani

ينا 6, 2020

في جلسة استثنائيّة غاب عنها الأكراد ومعظم النوّاب السنّة، قرّر البرلمان العراقيّ في 5 كانون الثاني/يناير الجاري إلزام الحكومة بإلغاء طلب المساعدة المقدّم منها إلى التحالف الدوليّ لمحاربة "داعش"، وبإنهاء تواجد أيّ قوّات أجنبيّة على الأراضي العراقيّة، ومنعها من استخدام الأراضي والمياه والأجواء العراقيّة لأيّ سبب كان.

القرار البرلمانيّ الذي جاء كردّة فعل على مقتل قائد فيلق القدس الإيرانيّ قاسم سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبيّ أبو مهدي المهندس على يد القوّات الأميركيّة في 3 كانون الثاني/يناير، تضمّن أيضاً "التزام الحكومة العراقيّة بحصر السلاح في يد الدولة والتوجّه بنحو عاجل إلى الأمم المتّحدة ومجلس الأمن الدوليّ وتقديم شكوى ضدّ الولايات المتّحدة الأميركيّة، بسبب ارتكابها انتهاكات وخروق خطيرة لسيادة العراق وأمنه، وقيام الحكومة العراقيّة بإجراء التحقيقات بأعلى المستويات لمعرفة ملابسات القصف الأميركيّ وإعلام مجلس النوّاب بالنتائج خلال 7 أيّام من تاريخ هذا القرار".

وعلى الرغم من دعوات الأطراف السياسيّة الموالية لإيران والفصائل الشيعيّة المسلّحة إلى إلغاء الاتّفاق الأمنيّ الموقّع بين بغداد وواشنطن في عام 2008 وحتّى إغلاق السفارة الأميركيّة في بغداد وإنهاء العلاقات الدبلوماسيّة بين البلدين، إلّا أنّ قرار البرلمان الأخير لم يتضمّن ذلك، لأسباب كثيرة، في مقدّمتها أنّ الاتّفاق ينصّ على إلزام الحكومة العراقيّة بتقديم طلب عن طريق وزارة الخارجيّة إلى الجانب الأميركيّ، لإنهاء الاتّفاق على أن ينفّذ الطلب بعد مرور عام على تاريخ تقديمه، وبما أنّ الحكومة الحاليّة هي حكومة تصريف أعمال بعد استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي في 29 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، فلا يحقّ لها إبرام الاتّفاقات والمعاهدات الدوليّة  أو إلغاؤها، أو اقتراح القوانين بموجب الدستور العراقيّ، ناهيك عن حاجة القوّات العراقيّة إلى الدعم الأميركيّ، وخصوصاً في ما يتعلّق بمراقبة الأجواء وتدريب القوّات المحلّيّة، وهو ما تؤكّده الأطراف الكرديّة والسنّيّة، في أسباب رفضها إلغاء الاتّفاق مع الولايات المتّحدة الأميركيّة.

كما أنّ رئيس الوزراء العراقيّ الذي أوصى البرلمان باتّخاذ قرار إنهاء التواجد العسكريّ الأميركيّ في العراق، خلال كلمته أمام البرلمان أثناء الجلسة الاستثنائيّة، ألمح أيضاً إلى وجود عواقب كبيرة لهذا القرار، وقال: "إن "سارت العمليّة (ويقصد إخراج القوّات الأميركيّة) تصادميّاً ورآها البعض في شكل عدائيّ وليس تصويبيّ وتصحيحيّ،  فقد تكون هناك كلفة سياسيّة واقتصاديّة ونقديّة وأمنيّة وفي العلاقات الدوليّة ليس فقط مع الولايات المتّحدة الأميركيّة، بل مع الكثير من دول التحالف الدوليّ".

لذا جاء قرار البرلمان بإلزام الحكومة بـ"العمل على إنهاء التواجد الأجنبيّ ولم يتطرّق إلى الاتّفاق الأمنيّ مع واشنطن، بيد أنّ حكومة المستقيل عبد المهدي تمتلك حقّ التفاوض مع الأطراف الخارجيّة، والسلطة التشريعيّة لا تلزم السلطة التنفيذيّة باتّخاذ أيّ قرار، وإنّما يقتصر عملها، دستوريّاً، على الرقابة والتشريع، وعليه يمكن القول إنّ ما صدر من البرلمان في هذا الخصوص لا قيمة له، وهو أقرب إلى توصية أو تعبير عن موقف منه إلى قرار.

ومن الجدير ملاحظة أنّ المادّة 61 تنصّ على أنّ "تنظيم المعاهدات والاتّفاقات الدوليّة قانون يسنّ بأغلبيّة ثلثي أعضاء مجلس النوّاب"، ولم يتطرّق الدستور مطلقاً إلى صلاحيّات البرلمان أو الحكومة في إلغاء المعاهدات أو الاتّفاقات، والحلّ الوحيد في هذه الحالة يكون من خلال نصوص الاتّفاق فقط التي حدّدت آليّة الإلغاء والانسحاب، ويكون بعد مرور سنة على تقديم أحد الطرفين من الطرف الآخر إخطاراً خطّيّاً بذلك.

وفي ردّة الفعل الأميركيّة على قرار البرلمان العراقيّ، قال وزير الخارجيّة الأميركيّ مايك بومبيو، في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز" في 5 كانون الثاني/ يناير إنّ "رئيس حكومة تصريف الأعمال العراقيّة عادل عبد المهدي الذي طلب من مجلس النوّاب وضع جدول زمنيّ لإخراج جميع القوّات الأجنبيّة من البلاد، هو مجرّد رئيس الوزراء المستقيل، والقائم بأعمال رئيس الحكومة، ويواجه تهديدات هائلة من قبل قيادة إيران"، وأضاف: "نحن مقتنعون بأنّ الشعب العراقيّ يرغب في أن تبقى الولايات المتّحدة الأميركيّة لمواصلة حملتها ضدّ الإرهاب، ونحن سنواصل فعل كلّ ما يلزم لضمان أمن أميركا".

ويحاول كلّ طرف من أطراف الأزمة قراءة قرار البرلمان العراقيّ في شأن إخراج القوّات الأجنبيّة بطريقته، فالرئيس الإيرانيّ حسن روحاني وصفه في اتّصال هاتفيّ مع الرئيس العراقيّ برهم صالح بأنّه "خطوة مهمّة ستسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة"، واعتبره بعض الفصائل العراقيّة "فتحاً مبيناً"، باستثناء زعيم التيّار الصدريّ مقتدى الصدر الذي أعرب عن عدم رضاه على إجراءات البرلمان والقرارت التي خرج بها في خصوص التصويت على التواجد الأميركيّ في البلاد، وطالب البرلمان في تغريدة على موقع "توتير" في 5 من الشهر الجاري بطرد السفارة الأميركيّة من العراق وتجريم التعامل مع واشنطن، واعتبر موقف البرلمان "هزيلاً أمام الانتهاك الأميركيّ للسيادة العراقيّة"، وهدّد بـ"تصرّف آخر" في حال عدم الاستجابة إلى مطالبه.

في المقابل، تعلم واشنطن أنّ إلغاء التواجد العسكريّ لقوّاتها في العراق أو إنهاءه يحتاجان ربّما إلى غالبيّة سياسيّة غير متوافرة في العراق حاليّاً، وتشريع قانونيّ لن تتمكّن الحكومة المستقيلة في بغداد من تمريره، في ظلّ الأوضاع الراهنة، وأن ما يجري هو محاولة ردّ اعتبار من قبل الأطراف العراقيّة المعارضة للوجود الأميركيّ، على اغتيال المهندس وسليماني، في مشهد معقّد يوحي باستمرار التصعيد الأمنيّ على الأرض وتوتّر العلاقات بين الحكومة العراقيّة والإدارة الأميركيّة.

ومن المرجّح استمرار عمليّات استهداف سفارة واشنطن وقواعد الجيش الأميركيّ في العراق بالصواريخ وقذائف الهاون، في حال فشلت حكومة بغداد في وضع حدّ للتدهور الأمنيّ الحاصل، ولم تتمكّن الأطراف السياسيّة من إنهاء حالة الفراغ الدستوريّ وتسمية رئيس وزراء جديد، وفق الشروط التي حدّدتها ساحات الاحتجاج المطالبة بإجراء انتخابات تشريعيّة مبكرة تفضي إلى ولادة برلمان قادر على اتّخاذ القرارات الصعبة والحاسمة في ما يتعلّق بالعلاقات مع واشنطن و طهران واتّباع سياسة النأي بالنفس.

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض العراق

al-monitor
هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
al-monitor
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
al-monitor
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
al-monitor
لماذا قانون الانتخابات العراقي الجديد لم يتم التصديق عليه بعد؟
عمر الجفال | المحاكم والقانون | فبر 14, 2020